الرئيسية آخر الأخبار تونس الكبرى تتصدر المشهد.. أين أصبحت النساء أكثر عرضة للقتل في تونس؟

تونس الكبرى تتصدر المشهد.. أين أصبحت النساء أكثر عرضة للقتل في تونس؟

0
3
blank

لم تعد جرائم قتل النساء في تونس مجرد وقائع متفرقة تظهر من حين إلى آخر في صفحات الحوادث، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة مجتمعية تتسع رقعتها الجغرافية وتثير أسئلة جدية حول أمن النساء داخل أسرهن ومحيطهن الاجتماعي.

وتكشف أرقام جمعية أصوات نساء الواردة في تقريرها لسنة 2025 حول ظاهرة «تقتيل النساء في تونس» أن تونس الكبرى كانت البؤرة الأبرز لهذه الجرائم خلال سنة 2024، بعدما سجلت 16 جريمة قتل نساء من مجموع 25 جريمة على المستوى الوطني، أي ما يمثل نحو 64 بالمائة من الحصيلة الوطنية.

لكن المشهد تغير خلال سنة 2025. فبعدما كانت الجرائم شديدة التمركز في العاصمة وضواحيها، اتسعت رقعتها لتشمل 14 ولاية، في مؤشر على انتقال الظاهرة من تركّز جغرافي واضح إلى انتشار أوسع شمل الوسط والجنوب والشمال الغربي.

تونس الكبرى.. 16 جريمة في عام واحد

كانت تونس الكبرى في 2024 العنوان الأبرز لجرائم تقتيل النساء. فمن أصل 25 جريمة وثقتها الجمعية، وقعت 16 جريمة في إقليم تونس الكبرى، وهو رقم يكشف حجم التركّز في المنطقة الأكثر كثافة سكانية في البلاد.

غير أن سنة 2025 حملت تحولاً لافتاً، إذ لم تعد العاصمة وضواحيها تستأثر بالنسبة نفسها من الجرائم، بينما برزت ولايات داخلية، على غرار قفصة والقيروان، ضمن المناطق التي سجلت معدلات مرتفعة.

وهذا التحول لا يعني بالضرورة أن تونس الكبرى أصبحت أقل خطراً على النساء، وإنما يعكس، وفق المعطيات المتاحة، اتساع دائرة الظاهرة جغرافياً وصعوبة اختزالها في منطقة بعينها.

30 امرأة ضحية في 2025

وتشير الجمعية إلى أنها وثقت خلال سنة 2025 30 جريمة قتل للنساء، إلى جانب خمس محاولات قتل.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو الزيادة لافتة؛ إذ لم تتجاوز جرائم قتل النساء أربع جرائم سنة 2018، قبل أن ترتفع إلى 25 جريمة سنة 2024، ثم إلى 30 جريمة سنة 2025.

وترى جمعية أصوات نساء أن هذه الأرقام تؤكد أن قتل النساء لم يعد ظاهرة هامشية، بل أصبح قابلاً للرصد والتتبع باعتباره ظاهرة مجتمعية.

الخطر الأكبر داخل الفضاء الأسري

ولا تتوقف خطورة الأرقام عند عدد الضحايا أو توزيع الجرائم جغرافياً، إذ يلفت التقرير إلى أن الفضاء الأسري لا يزال من أكثر الأماكن خطورة على حياة النساء.

فبدلاً من أن تكون الأسرة فضاءً للحماية والأمان، تظهر المعطيات أن العلاقات الأسرية يمكن أن تتحول في بعض الحالات إلى مصدر للعنف القاتل، خصوصاً عندما تتراكم مظاهر العنف ولا يتم التدخل في الوقت المناسب.

وتحذر الجمعية من التبريرات الاجتماعية التي قد ترافق بعض الجرائم، معتبرة أن التعامل مع العنف ضد النساء باعتباره «شأناً عائلياً» أو نتيجة لخلافات خاصة يساهم في تطبيع العنف وتأخير التدخل لحماية الضحايا.

انتشار من العاصمة إلى الداخل

المفارقة الأبرز في أرقام 2025 هي أن خارطة الجرائم أصبحت أكثر انتشاراً. فبعد أن كانت تونس الكبرى تمثل مركز الثقل الواضح في 2024، امتدت الجرائم خلال السنة الموالية إلى 14 ولاية.

وتبرز ضمن هذه الخارطة ولايات داخلية مثل قفصة والقيروان، بما يطرح سؤالاً آخر لا يقل أهمية: هل نحن أمام ارتفاع فعلي في العنف القاتل ضد النساء في الجهات الداخلية، أم أن اتساع الرصد والإبلاغ بدأ يكشف جرائم كانت في السابق أقل ظهوراً؟

وفي غياب إحصاء وطني شامل وموحد، يبقى من الصعب تقديم ترتيب نهائي للولايات الأكثر خطراً على النساء اعتماداً على عدد الجرائم وحده، خصوصاً أن عدد السكان يختلف بشكل كبير بين ولاية وأخرى.

الضحايا.. أعمار تكسر الصورة النمطية

ومن المعطيات اللافتة في تقرير 2025 أن قائمة الضحايا المعلومة خلت من الشابات، بينما تركزت الضحايا في الفئات العمرية فوق 40 سنة وفوق 60 سنة.

في المقابل، سجل التقرير وجود أربعة جناة تتراوح أعمارهم بين 20 و30 سنة.

وتكشف هذه المعطيات، وفق قراءة التقرير، أن ظاهرة تقتيل النساء لا يمكن اختزالها في صورة نمطية واحدة، سواء تعلق الأمر بعمر الضحية أو عمر الجاني أو طبيعة العلاقة بين الطرفين.

الأرقام المعلنة ليست بالضرورة كل الحقيقة

وتشدد جمعية أصوات نساء على أن حصيلة 2025، رغم ارتفاعها إلى 30 ضحية، لا تعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للظاهرة.

فالمنظمات الحقوقية تعتمد في رصدها على ما يتم التبليغ عنه أو ما يصل إلى الإعلام وما يمكن توثيقه من خلال محاضر الجمعيات، في ظل غياب إحصاء رسمي شامل ومتكامل لجرائم قتل النساء.

وبذلك، فإن الرقم 30 يمثل ما أمكن رصده وتوثيقه، وليس بالضرورة العدد النهائي لكل الحالات التي وقعت خلال السنة.

من «عاصمة الخطر» إلى ظاهرة وطنية

تكشف المقارنة بين 2024 و2025 عن تحول أساسي: تونس الكبرى كانت مركز الثقل الأكبر في جرائم قتل النساء، لكن الظاهرة لم تبقَ محصورة فيها.

ففي سنة واحدة، ارتفع عدد الجرائم من 25 إلى 30، وامتدت خارطتها من 11 ولاية سنة 2024 إلى 14 ولاية سنة 2025، مع بروز ولايات داخلية مثل قفصة والقيروان.

وهكذا، لم يعد السؤال فقط: أي ولاية هي الأكثر خطراً على النساء؟ بل أصبح السؤال الأهم: لماذا تتسع ظاهرة العنف القاتل ضد النساء جغرافياً في تونس، ولماذا يبقى الفضاء الأسري أحد أبرز مصادر الخطر؟

وتبقى تونس الكبرى، بما سجلته من 16 جريمة سنة 2024، نقطة الانطلاق الأبرز لفهم هذه الظاهرة، لكن أرقام 2025 توحي بأن الخطر لم يعد عنوانه العاصمة وحدها، بل أصبح مشكلة وطنية تتطلب إحصاءً رسمياً دقيقاً وخارطة وطنية واضحة للعنف ضد النساء.