أعلن وزير التربية نور الدين النوري أن منع التلاميذ من مغادرة المؤسسات التربوية سيكون كليًا بداية من شهر أكتوبر، في إطار البرنامج التنفيذي لمجابهة الظواهر والسلوكيات المحفوفة بالمخاطر وتعزيز حماية التلاميذ.
القرار، الذي أعلن عنه الوزير خلال زيارته إلى ولاية المهدية يوم 26 سبتمبر الجاري، يطرح في المقابل سؤالًا لا يقل أهمية عن مبرراته: هل تملك جميع المؤسسات التربوية حاليًا الإمكانات البشرية والتنظيمية التي تسمح بإبقاء التلاميذ داخلها طوال الفترة الدراسية؟
السؤال لا يتعلق بالبنية المادية وحدها، بل أساسًا بمن سيتولى تأطير التلاميذ ومراقبتهم خلال الساعات التي لا توجد فيها حصص، وفترات الراحة، وبين الحصص الدراسية.
ففي الوقت الذي تستعد فيه الوزارة لتطبيق القرار، كانت نقابات القيمين والقيمين العامين قد دقت، قبل أيام قليلة، ناقوس الخطر بشأن وضع عدد من المؤسسات التربوية.
وفي بيان صادر يوم 14 سبتمبر، تحدث الفرع الجامعي للقيمين والقيمين العامين ببنزرت عن وجود نقص فادح في عدد القيمين وشغورات في خطة القيمين العامين بعدد هام من المؤسسات التربوية، إلى جانب نقص كبير في العملة، وخاصة المكلفين بالحراسة، واهتراء البنية التحتية في عدد من المؤسسات.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة عند الحديث عن منع التلاميذ من مغادرة المؤسسات، باعتبار أن الإجراء لا يقتصر على غلق الأبواب، وإنما يفترض أيضًا وجود جهاز تأطير ومراقبة قادر على ضمان سلامة التلاميذ داخل المؤسسة طوال الفترة التي سيقضونها فيها.
نقص في الموارد البشرية
وكانت لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي والشباب والرياضة بمجلس نواب الشعب قد عقدت في 25 فيفري 2026 جلسة استماع لوزير التربية خصصت، من بين ملفات أخرى، لمسألة نقص الموارد البشرية والبنية التحتية في المؤسسات التربوية.
وهذا يعني أن مسألة الموارد البشرية ليست جديدة، بل كانت مطروحة على مستوى الوزارة ومجلس نواب الشعب قبل أشهر من إعلان قرار منع خروج التلاميذ.
وفي هذا السياق، لا يتعلق الأمر بالأساتذة فقط، وإنما أيضًا بالأسلاك التي تضطلع بمهام التأطير والحراسة والمتابعة اليومية للحياة المدرسية.
وتزداد أهمية هذا الجانب إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الوزارة أعلنت، في إطار استعداداتها للسنة الدراسية الحالية، عن انتدابات وتجهيزات ومشاريع جديدة، في محاولة لسد عدد من الشغورات وتحسين ظروف العمل والدراسة.
استثمارات كبيرة.. لكن التحدي ليس ماديًا فقط
ومن جهة أخرى، لا يمكن القول إن الدولة لم تستثمر في المؤسسات التربوية.
فحسب معطيات نشرتها وكالة تونس إفريقيا للأنباء في 4 سبتمبر، بلغت قيمة الاستثمارات المنجزة لتأهيل وتجهيز المؤسسات التربوية استعدادًا للسنة الدراسية 2026-2027 أكثر من 672 مليون دينار. كما أعلنت الوزارة عن افتتاح 23 مؤسسة تربوية جديدة خلال السنة الدراسية الحالية.
لذلك فإن المسألة المطروحة اليوم ليست بالضرورة مسألة نقص شامل في الفضاءات أو التجهيزات، وإنما مدى جاهزية كل مؤسسة على حدة لتطبيق الإجراء الجديد.
فالمؤسسة التي تعاني نقصًا في القيمين أو أعوان الحراسة، أو لا تتوفر فيها فضاءات كافية لاستيعاب التلاميذ خلال الساعات الشاغرة، ستجد نفسها أمام وضع مختلف عن مؤسسة تتوفر فيها الموارد البشرية والفضاءات والتجهيزات الضرورية.
الأولياء اقترحوا تقليص التنقلات
واللافت أن رئيس الجمعية التونسية لأولياء التلاميذ رضا الزهروني كان قد دعا، في تصريح نشر يوم 26 سبتمبر، إلى اعتماد تنظيم للزمن المدرسي يضمن تقليص تنقلات التلاميذ إلى أدنى حد ممكن، والحد من الساعات الشاغرة، مع إبقائهم داخل المؤسسة التربوية خلال كامل الفترة الدراسية.
لكن الزهروني ربط هذا المقترح بتوفير الظروف المناسبة، معتبرًا أن الأمر يستوجب تنظيمًا أفضل للزمن المدرسي وتأطيرًا للتلاميذ وفضاءات للمراجعة والاستراحة.
وبذلك، فإن فكرة إبقاء التلميذ داخل المؤسسة ليست غريبة عن النقاش التربوي الحالي، وإنما تطرح معها مسألة أساسية: كيف يتم ذلك عمليًا؟
من يتحمل مسؤولية الساعات الشاغرة؟
قرار منع الخروج سيجعل الساعات الشاغرة داخل المؤسسة مسألة أكثر حساسية.
فإذا كان التلميذ في السابق يغادر المؤسسة خلال بعض الفترات أو يعود إلى منزله بين الحصص، فإن إبقاءه داخلها يعني ضرورة تحديد الجهة المسؤولة عن تأطيره ومراقبته، وخاصة في المؤسسات التي تعرف اكتظاظًا أو نقصًا في القيمين.
كما ستحتاج الوزارة إلى توضيح الإجراءات المتعلقة بالحالات الاستثنائية: خروج التلميذ لأسباب صحية، استدعاء الولي، مواعيد العلاج، الحالات العائلية الاستثنائية، أو غيرها من الحالات التي تستوجب مغادرة المؤسسة.
وكلما كانت هذه التفاصيل واضحة وموحدة، كان تطبيق القرار أكثر سهولة بالنسبة إلى الإدارة والأولياء والتلاميذ على حد سواء.
قرار الحماية يحتاج إلى شروط حماية
الوزارة تقدم القرار باعتباره جزءًا من خطة أوسع لحماية التلاميذ، تتضمن أيضًا منصة للإنصات عن بعد، وبرامج للتوعية بالمخاطر، إلى جانب إجراءات تتعلق بتجهيز المؤسسات ومراقبتها.
لكن نجاح هذه الخطة لن يقاس فقط بمدى قدرة المؤسسات على منع التلميذ من الخروج، وإنما أيضًا بقدرتها على توفير بيئة آمنة ومنظمة له داخلها.
وهنا تبرز أهمية الموارد البشرية.
فمنع الخروج قد يغلق الباب أمام بعض المخاطر الموجودة خارج المؤسسة، لكنه في المقابل يحمّل المؤسسة مسؤولية أكبر في ما يتعلق بالمراقبة والتأطير والسلامة خلال كامل الفترة التي يبقى فيها التلميذ داخلها.
وبينما تتواصل عملية تأهيل المؤسسات وافتتاح مؤسسات جديدة، يبقى السؤال المطروح مع اقتراب أكتوبر: هل ستكون الموارد البشرية والتأطير في مستوى القرار الجديد؟
فالقرار أصبح معلنًا، أما الاختبار الحقيقي فسيبدأ مع تطبيقه على أرض الواقع.
