لطالما احتلّ خطاب تمكين الشباب موقعًا مركزيًا في الخطاب السياسي التونسي. فمنذ الثورة، ظلّ الشباب يُقدَّم باعتباره « قوة التغيير » و »رهان المستقبل » و »الطاقة القادرة على بناء الدولة الجديدة ». لكن عند النظر إلى تركيبة مراكز القرار اليوم، يظهر فارق واضح بين ما يُقال عن إشراك الشباب وما تعكسه الأرقام المتعلقة بأعمار المسؤولين الذين يمسكون بأهم مفاصل الدولة.
فالمشهد القيادي التونسي يكشف حضورًا قويًا لجيل الخمسينات والستينات في أعلى هرم السلطة، مقابل حضور محدود نسبيًا لجيل أصغر لم تتجاوز مشاركته بعض المواقع الوزارية أو الوظائف التنفيذية.
أرقام تكشف الفجوة
تُظهر قائمة أبرز المسؤولين في الدولة أن أغلب مواقع القرار الأولى ما تزال بيد شخصيات تجاوزت الستين عامًا. فرئيس الجمهورية قيس سعيد يبلغ 68 سنة، ورئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة يبلغ 73 سنة، فيما يبلغ محافظ البنك المركزي فتحي زهير النوري 70 سنة.
أما داخل الحكومة، فإن عددًا من الوزارات السيادية والخدماتية الكبرى يقودها مسؤولون ينتمون إلى جيل الستينات: وزير الخارجية محمد علي النفطي (67 سنة)، وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي (67 سنة)، ووزراء العدل والصحة والسياحة في منتصف العقد السادس من العمر.
في المقابل، لا نجد ضمن القائمة سوى عدد محدود من الوزراء الذين يمثلون جيلًا أصغر نسبيًا، مثل وزير الداخلية خالد النوري (50 سنة) ووزير تكنولوجيات الاتصال سفيان الهميسي (51 سنة).
هذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن عامل السن يحدد القدرة على الإنجاز أو الكفاءة، فالتجربة والخبرة عنصران أساسيان في إدارة الدولة، لكنها تطرح سؤالًا سياسيًا عميقًا: أين موقع الشباب الذي طالما اعتُبر عنوان المرحلة الجديدة؟
خطاب الشباب… وواقع الانتظار
منذ سنوات، تكرر في الخطابات الرسمية والسياسية التأكيد على ضرورة فتح المجال أمام الشباب، وإعطائه فرصة لتحمل المسؤولية والمشاركة في صناعة القرار. غير أن الانتقال من الخطاب إلى الممارسة يبدو أكثر تعقيدًا.
فتمكين الشباب لا يُقاس فقط بإسناد بعض المناصب أو تنظيم برامج تكوين وتأهيل، بل يُقاس بمدى حضوره في المواقع التي تُصنع فيها القرارات الكبرى: الاقتصاد، الدبلوماسية، الأمن، الإدارة العليا، المؤسسات المالية والسياسات العمومية.
الشباب التونسي الذي يمثل نسبة مهمة من المجتمع، والذي كان في قلب التحولات السياسية والاجتماعية منذ 2011، ما يزال يجد نفسه غالبًا في موقع الانتظار، بين البطالة والهجرة وضعف فرص الصعود داخل المؤسسات.
مشكلة الثقة أم مشكلة الفرص؟
يرى مراقبون أن أحد أسباب محدودية حضور الشباب في مواقع القرار يعود إلى استمرار منطق الاختيار القائم على الخبرة الإدارية والسياسية، حيث تميل الحكومات المتعاقبة إلى الاعتماد على شخصيات راكمت سنوات طويلة من العمل داخل الدولة.
لكن هذا الخيار يطرح إشكالية أخرى: كيف يمكن بناء جيل قيادي جديد إذا لم يحصل هذا الجيل على فرصة ممارسة المسؤولية فعليًا؟
فالكفاءة لا تُكتسب فقط عبر الشهادات أو سنوات العمل، بل أيضًا عبر التجربة الميدانية وتحمل المسؤولية. ولا يمكن انتظار ظهور قيادات شابة جاهزة دون منحها فرصة المشاركة في إدارة الملفات الكبرى.
بين احترام الخبرة وضرورة التجديد
المعادلة ليست في إقصاء جيل لصالح آخر، ولا في اعتبار الشباب بديلًا آليًا عن أصحاب التجربة. الدولة تحتاج إلى تراكم الخبرات وإلى دماء جديدة في الوقت نفسه.
لكن استمرار هيمنة جيل واحد على مراكز القرار لفترات طويلة قد يؤدي إلى بطء تجدد النخب السياسية والإدارية، ويخلق شعورًا لدى فئات واسعة من الشباب بأن الطريق إلى مواقع المسؤولية مغلق أو طويل جدًا.