بعد أسابيع من اعتقال رجل الأعمال والناشط الأمريكي جيمس «فيرجي» تشامبرز في إسبانيا بناء على طلب أمريكي، بدأت قضية تسليمه إلى الولايات المتحدة تدخل مرحلة يحيط بها الكثير من الغموض، وسط غياب إعلان إسباني واضح عن تطور حاسم في الملف بعد الموعد الذي كان يفترض أن تقدم فيه واشنطن الوثائق الداعمة لطلبها.
فهل تراجعت الولايات المتحدة فعلاً عن طلب تسليم فيرجي تشامبرز؟ أم أن الملف الأمريكي ما زال قائماً، لكنه دخل مرحلة قضائية صامتة في انتظار قرار السلطات الإسبانية؟
حتى الآن، لا توجد معطيات موثوقة تسمح بالقول إن واشنطن سحبت طلب التسليم. بل إن أحدث التقارير المنشورة في إسبانيا، في السادس من سبتمبر، لا تزال تتحدث عن تشامبرز باعتباره محتجزاً منذ اعتقاله في إيبيزا، وعن استمرار المسار المتعلق بطلب الإدارة الأمريكية تسليمه.
لكن في المقابل، فإن غياب إعلان واضح عن خطوة أمريكية جديدة بعد الموعد الذي كان محدداً لاستكمال ملف التسليم يفتح الباب أمام تساؤلات جدية.
من الاعتقال إلى الصمت
اعتُقل تشامبرز في إيبيزا يوم 10 جويلية الماضي بناء على مذكرة دولية صادرة بطلب من الولايات المتحدة، قبل أن ينقل إلى مدريد، حيث يتولى القضاء الإسباني النظر في إجراءات التسليم. وقد أوكل تشامبرز الدفاع عنه إلى مكتب المحامي الإسباني المعروف بالتاسار غارثون.
وتتهمه السلطات الأمريكية، وفق ما أوردته وسائل إعلام دولية، بجرائم تتعلق بتمويل الإرهاب وغسل الأموال، فيما ينفي تشامبرز الاتهامات، ويقول دفاعه إن القضية مرتبطة بنشاطه السياسي والإنساني المؤيد للفلسطينيين.
ومنذ ذلك الحين، تحولت القضية إلى ملف يتجاوز البعد القضائي، بعدما دخلت على خطها أحزاب وناشطون ومنظمات حقوقية في إسبانيا تطالب بعدم تسليمه إلى الولايات المتحدة.
أين وصلت واشنطن؟
السؤال الأكثر إثارة الآن هو: ماذا فعلت الولايات المتحدة بعد انطلاق إجراءات التسليم في إسبانيا؟
المصادر التي تتابع الملف لم تقدم، حتى الآن، إعلاناً واضحاً يؤكد أن واشنطن تراجعت رسمياً عن طلبها، كما لم يظهر قرار إسباني نهائي برفض التسليم.
وفي المقابل، لا توجد أيضاً في التغطية الإسبانية الأخيرة التي أمكن التحقق منها إشارة واضحة إلى أن السلطات الأمريكية نجحت في إنهاء المسار الذي يسمح بانتقال القضية إلى مرحلة الحسم.
وهنا تكمن المفارقة.
فلو كانت الولايات المتحدة قد سحبت طلبها، فإن ذلك سيكون تطوراً بالغ الأهمية، نظراً إلى أن تشامبرز يقبع في السجن الإسباني منذ يوليو بسبب هذا الطلب تحديداً.
أما إذا كانت واشنطن متمسكة بطلبها، فإن السؤال يصبح أكثر دقة: لماذا لم يظهر حتى الآن تطور أمريكي معلن يحسم المرحلة التالية من الإجراءات؟
إسبانيا هي صاحبة القرار الآن
في انتظار اتضاح الموقف الأمريكي، يبقى مستقبل تشامبرز مرتبطاً بالقضاء والسلطات الإسبانية.
وكانت تقارير إسبانية قد أوضحت أن إجراءات التسليم تمر عبر المحكمة الوطنية الإسبانية، فيما يمكن أن يصل القرار في مرحلة لاحقة إلى الحكومة الإسبانية. كما أن القانون الإسباني يتيح للحكومة رفض التسليم حتى في حال اعتبر القضاء أن شروطه القانونية متوفرة، خصوصاً إذا وجدت أسباب جدية للاعتقاد بأن الطلب مرتبط بمعاقبة شخص بسبب آرائه السياسية.
وهذا بالضبط ما يحاول دفاع تشامبرز البناء عليه.
فالمحامي بالتاسار غارثون وفريقه يقولان إن موكله يتعرض لما يعتبرانه اضطهاداً سياسياً بسبب دعمه للقضية الفلسطينية وتمويله مشاريع إنسانية، وهي رواية ترفضها السلطات الأمريكية التي تتهمه بارتكاب جرائم جنائية.
تفتيش مكتب التحقيقات الفدرالي يضيف سؤالاً جديداً
ومن أكثر التطورات إثارة في الملف أن مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي قام بتفتيش المنزل الذي كان تشامبرز يستأجره في إيبيزا.
وقد كشف غارثون عن العملية، وقال، وفق ما نقلته صحيفة «الغارديان»، إن التفتيش لم يؤد، بحسب دفاع تشامبرز، إلى العثور على أدلة تدينه.
هذه المعطيات لا تعني قانونياً أن الملف الأمريكي انهار، لكنها تمنح الدفاع ورقة جديدة لطرح سؤال حول قوة الأدلة التي تستند إليها واشنطن في طلب التسليم.
احتجاجات في مدريد وبرشلونة ومورسيا
وفي الوقت الذي ينتظر فيه القضاء الإسباني تطورات الملف، اتخذت القضية بعداً شعبياً متزايداً.
ففي الخامس والسادس من سبتمبر، شهدت عدة مدن إسبانية تحركات للمطالبة بالإفراج عن تشامبرز ورفض تسليمه إلى الولايات المتحدة، من بينها مدريد وبرشلونة ومورسيا، مع دعوات لتحركات جديدة في إشبيلية.
وهكذا لم تعد قضية تشامبرز مجرد ملف تسليم قضائي بين واشنطن ومدريد، بل أصبحت أيضاً قضية سياسية وحقوقية داخل إسبانيا.
وتونس في قلب القضية
وتكتسب القضية أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، باعتبار أن جزءاً من المعاملات المالية التي تستند إليها الاتهامات الأمريكية يرتبط بتحويلات إلى تونس.
وقد سبق أن تحدثت تقارير عن تحويلات مالية بملايين الدولارات إلى تونس، بينما يقدم دفاع تشامبرز رواية مختلفة لطبيعة هذه الأموال واستخداماتها.
ومن هنا، فإن أي تطور في القضية الأمريكية الإسبانية يمكن أن يعيد فتح النقاش حول طبيعة نشاط تشامبرز في تونس، والأموال التي ضخها في مشاريع مختلفة، والجهات التي تعامل معها.
هل تراجعت واشنطن؟
حتى 7 سبتمبر، لا يمكن القول إن الولايات المتحدة تراجعت عن طلب تسليم فيرجي تشامبرز.
لكن في الوقت نفسه، لا توجد حتى الآن مؤشرات منشورة وموثوقة تسمح بالقول إن الملف الأمريكي حُسم لمصلحة واشنطن.
المؤكد أن تشامبرز لا يزال خلف القضبان في إسبانيا، وأن طلب التسليم الأمريكي ما زال يمثل أساس القضية، وأن القضاء الإسباني لم يصدر قراراً نهائياً بتسليمه.
لذلك فإن السؤال الأكثر دقة في هذه المرحلة ليس: هل تراجعت واشنطن؟
بل:
لماذا يسود الصمت حول الخطوة الأمريكية التالية، وماذا ستفعل مدريد إذا بقي طلب التسليم قائماً دون أن تتقدم القضية؟
الساعات والأيام المقبلة قد تحمل الإجابة، خصوصاً أن الضغط السياسي والشعبي داخل إسبانيا بدأ يتصاعد، بينما يواصل دفاع تشامبرز معركته لمنع إرساله إلى الولايات المتحدة.
وفي انتظار ذلك، يبقى الرجل الأمريكي الذي عاش سنوات في تونس، وارتبط اسمه بمشاريع وأموال موجهة إلى أنشطة إنسانية، محتجزاً في إسبانيا بسبب طلب أمريكي لم يُعلن حتى الآن أنه سُحب، ولم يصدر أيضاً قرار إسباني نهائي بتنفيذه.
