الرئيسيةآخر الأخبارهل تعيش تونس "متلازمة الندرة المُصطنعة"؟

هل تعيش تونس « متلازمة الندرة المُصطنعة »؟

تواجه الأسواق التونسية معضلة حادة تثير حيرة الشارع؛ فالشركات تضخ ملايين القوارير يومياً والرفوف تظل فارغة، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تعيش تونس اليوم ‘مفارقة الندرة المُصطنعة’؟« 

تواجه الأسواق التونسية معضلة حادة تثير حيرة الشارع التونسي؛ فالشركات تضخ ملايين قوارير المياه المعدنية يومياً، ومع ذلك، تظل الرفوف فارغة والندرة متواصلة. هذه الأزمة لا تعود إلى جفاف العيون المائية أو نقص القدرات التصنيعية، بل إلى ظاهرة سلوكية ونفسية تسمى في علم الاجتماع الاقتصادي « النبوءة التي تحقق ذاتها »، وتغذيها لهفة الاستهلاك والذعر الجماعي.

تُثبت الأرقام الرسمية الصادرة عن الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه حجم الضخ الهائل للقطاع؛ إذ تضم تونس 31 وحدة تعليب تضخ مجتمعة ما يناهز 520 ألف قارورة في الساعة الواحدة. ويُقدر الإنتاج السنوي بنحو 2.7 مليار لتر، في مقابل حجم استهلاك وطني ضخم تجاوز 2.1 مليار لتر خلال الأشهر التسعة الأولى فقط، بقيمة ناهزت 790 مليون دينار. هذه الوتيرة جعلت المواطن التونسي يتبوأ المرتبة الرابعة عالمياً في استهلاك المياه المعلبة بمعدل يبلغ 241 لتراً للفرد سنوياً.

إن ما يحدث في تونس اليوم هو تحول جذري في السلوك الشرائي للمواطن، حيث يفسر خبراء العلوم الاجتماعية استمرار الأزمة بأثر « المخزون النفسي ». في الأوقات العادية، يقتني الفرد حاجته الفورية، ولكن بمجرد سريان إشاعة النقص أو ملاحظة تهافت الآخرين، تنشط « عقلية القطيع ». يندفع المستهلك مدفوعاً بالقلق لتأمين عائلته، فيشتري أضعاف حاجته العادية لتخزينها في البيت خوفاً من الغد، حيث يرتفع الطلب في فترات الذروة الصيفية ليصل إلى 10 ملايين لتر يومياً.

هذا التحول المفاجئ يعني أن كميات المياه الضخمة لا تذهب للاستهلاك الفعلي الفوري، بل تتحول إلى مخزونات راكدة داخل المنازل. المصانع مهما رفعت من سرعتها الإنتاجية وضاعفت شاحنات التوزيع، فإنها تضخ المياه لتلبية « الحاجة البشرية »، لكنها تعجز تماماً عن تلبية « الخوف الإنساني » الذي لا يشبع. هذا التكالب يخلق ندرة مصطنعة، فالخوف من فقدان المادة هو الذي تسبب في فقدانها فعلياً من السوق.

يؤكد علماء الاجتماع أن هذه الحالة من « العدوى الانفعالية » تلغي التفكير العقلاني، وتجعل مصلحة الفرد الضيقة تتقدم على المصلحة العامة، وهو ما يُعرف بـ »مأساة المشاع »، حيث يؤدي تأمين كل شخص لنفسه إلى حرمان المجموع. ولن تتوقف هذه الحلقة المفرغة بزيادة الإنتاج فقط، بل تتطلب وعياً جماعياً يكسر ثقافة اللهفة، بالتوازي مع إجراءات تنظيمية صارمة تضمن شفافية مسالك التوزيع وتعيد بناء الثقة والمصارحة بين المواطن والسوق.

« 

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى