يقدّم تحليل الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي قراءة مختلفة لأرقام التضخم في تونس خلال شهر ماي 2026، إذ يرى أن استقرار نسبة التضخم العامة عند 5.5 بالمائة لا يعكس بالضرورة تحسناً في الوضع المعيشي للتونسيين، بل يخفي تحولات مقلقة في طبيعة التضخم ومصادره.
فبحسب المعطيات، ظل التضخم السنوي مستقراً مقارنة بشهر أفريل عند مستوى 5.5 بالمائة، فيما بلغ معدل التضخم خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026 نحو 5.2 بالمائة، مقابل 5.7 بالمائة خلال الفترة نفسها من سنة 2025. غير أن هذا الاستقرار الظاهري يخفي تحولاً في الاتجاه العام للأسعار، إذ لم يعد التضخم يسلك المسار التنازلي الذي عرفته تونس خلال السنة الماضية، بل عاد إلى منحى تصاعدي منذ بداية العام الحالي.
ويشير الشكندالي إلى أن نسبة التضخم كانت في حدود 4.8 بالمائة خلال شهر جانفي الماضي قبل أن ترتفع تدريجياً إلى 5.5 بالمائة في ماي، في وقت تزداد فيه المخاوف من تداعيات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط على أسعار الطاقة والأسمدة والمواد الأولية، وهو ما قد ينعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية والفلاحية في تونس خلال الأشهر المقبلة.
المواد الأساسية الأكثر تضرراً
وتكشف الأرقام أن الارتفاعات الأبرز شملت المواد الأكثر استهلاكاً من قبل العائلات التونسية، حيث ارتفعت أسعار اللحوم بنسبة 18.2 بالمائة، والغلال بنسبة 11 بالمائة، والأسماك بنسبة 10.6 بالمائة، والخضر بنسبة 9 بالمائة. كما شملت الزيادات الملابس والأحذية، إضافة إلى خدمات الترفيه والثقافة والتعليم.
أما قطاع الخدمات، فقد سجل بدوره ارتفاعات لافتة، خاصة خدمات النزل التي قفزت أسعارها بأكثر من 15 بالمائة، ما يجعل قضاء العطل الصيفية أكثر كلفة بالنسبة لشريحة واسعة من التونسيين.
التضخم الحقيقي في « قفة المواطن »
ويرى الشكندالي أن النسبة الرسمية للتضخم لا تعكس بالكامل واقع التونسيين، لأن المواد الغذائية تستحوذ على حصة أكبر من ميزانية الأسر مقارنة بالوزن المعتمد في سلة الاستهلاك الإحصائية.
وبحسب قراءته، فإن ما يمكن تسميته بـ »تضخم قفة المواطن » أصبح أعلى من نسبة التضخم الرسمية، نظراً للارتفاع المتواصل في أسعار المواد الأساسية التي تمثل الجزء الأكبر من الإنفاق اليومي للعائلات.
أسعار تضاعفت تقريباً منذ 2015
ومن خلال احتساب التضخم التراكمي بين ماي 2015 وماي 2026، يوضح الخبير الاقتصادي أن الأسعار ارتفعت في المعدل العام بنحو 96 بالمائة خلال إحدى عشرة سنة، أي أن السلعة التي كانت تباع بعشرة دنانير سنة 2015 أصبحت تقترب اليوم من عشرين ديناراً.
ويؤكد أن الضغط كان أشد خلال السنوات الخمس الأخيرة مقارنة بالفترة الممتدة بين 2015 و2021، خاصة مع تراجع إمكانية اللجوء إلى الشيكات المؤجلة والتقسيط والاقتراض الاستهلاكي بنفس السهولة السابقة.
وتظهر هذه التطورات بوضوح في بعض المواد الأساسية، إذ ارتفعت أسعار اللحوم بنحو 188 بالمائة خلال إحدى عشرة سنة، بينما زادت أسعار الغلال بأكثر من 163 بالمائة خلال الفترة نفسها.
تضخم هيكلي لا ظرفي
ويعتبر الشكندالي أن التضخم الحالي لم يعد مرتبطاً بعوامل موسمية أو ظرفية فحسب، بل أصبح يحمل طابعاً هيكلياً، نتيجة ارتفاع كلفة الإنتاج وضعف العرض المحلي وارتفاع أسعار الأعلاف والطاقة والأسمدة، إضافة إلى مشاكل التوزيع والجفاف وارتفاع كلفة الري.
كما يشير إلى أن جزءاً من التضخم أصبح ناتجاً عن ضعف الاستثمار والإنتاج المحلي، وليس عن ارتفاع الطلب الاستهلاكي، وهو ما يجعل أدوات السياسة النقدية التقليدية أقل فاعلية في مواجهته.
مخاوف من موجة جديدة خلال النصف الثاني من 2026
ويحذر الخبير الاقتصادي من أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى موجة تضخمية جديدة خلال النصف الثاني من السنة، عبر ثلاثة مسارات رئيسية: ارتفاع أسعار النفط، وارتفاع أسعار الأسمدة والأمونيا، وارتفاع أسعار الحبوب والأعلاف في الأسواق العالمية.
ويرى أن الخطر الأكبر لم يعد يتمثل فقط في ارتفاع التضخم، بل في تحوله إلى ظاهرة مزمنة تستقر عند مستويات تفوق 5 بالمائة لسنوات، إذا لم تترافق السياسات النقدية مع إجراءات اقتصادية تدعم الاستثمار والإنتاج وتحسن العرض المحلي للمواد الغذائية والخدمات.
ويخلص الشكندالي إلى أن التحدي الحقيقي أمام تونس اليوم لا يقتصر على خفض التضخم، بل يتمثل أساساً في رفع الإنتاج وتحفيز الاستثمار وتعزيز الأمن الغذائي، باعتبار أن معالجة أسباب التضخم الهيكلية أصبحت شرطاً أساسياً للحفاظ على القدرة الشرائية للتونسيين.



