الرئيسيةأخبار تونسألفة يوسف: لو فُتح باب الهجرة أمام جميع التونسيين.. كم شخصًا سيبقى...

ألفة يوسف: لو فُتح باب الهجرة أمام جميع التونسيين.. كم شخصًا سيبقى طوعًا واختيارًا؟

ماذا سيحدث لو فُتح باب الهجرة أمام جميع التونسيين والتونسيات، وأصبح بإمكان كل من يريد مغادرة البلاد أن يفعل ذلك دون قيود أو عراقيل؟ سؤال يبدو افتراضيًا، لكنه يفتح نقاشًا عميقًا حول أسباب الهجرة، وحول علاقة التونسي ببلده عندما تصبح أبسط مقومات الحياة محل أزمة.

الباحثة التونسية ألفة يوسف طرحت السؤال بوضوح: «لو كان باب الهجرة متاحًا لجميع التونسيين والتونسيات، لا أعرف كم شخصًا سيبقى طوعًا واختيارًا في تونس».

وراء هذا السؤال، تضع الباحثة قضية الهجرة في سياق مختلف عن الخطاب المعتاد الذي يختزلها في ضعف الانتماء أو البحث عن المال.

فالإنسان، كما تقول، يبحث بطبيعته عن أفضل سبل العيش لنفسه ولأسرته، ولا يمكن تجاهل الظروف التي تدفعه إلى التفكير في الرحيل، خصوصًا عندما يشعر أن الخدمات الأساسية التي تقوم عليها الحياة اليومية لم تعد توفر له الحد الأدنى من الأمان والاستقرار.

عندما يصبح الماء نفسه مصدر قلق

وتشير الباحثة إلى تراجع قطاعات وخدمات أساسية، من التعليم والصحة العمومية إلى توفر المواد الأساسية، وصولًا إلى الماء، الذي يمثل أبسط مقومات الحياة.

فبالنسبة إلى المواطن، لا تتوقف جودة الحياة عند مستوى الدخل أو القدرة على الاستهلاك، وإنما تبدأ من أسئلة أكثر بساطة: هل يستطيع الوصول إلى طبيب؟ هل يجد الدواء؟ هل يضمن لأبنائه تعليمًا جيدًا؟ هل تتوفر المواد الأساسية؟ وهل يستطيع الحصول على الماء بانتظام؟

وعندما تصبح هذه الأسئلة نفسها مصدر قلق يومي، فإن فكرة الهجرة لا تعود بالنسبة إلى البعض مشروعًا للبحث عن الثراء، وإنما تتحول إلى محاولة للبحث عن حياة أكثر استقرارًا.

«بلادي وإن جارت عليّ»… هل تكفي الشعارات؟

وتنتقد ألفة يوسف ما تعتبره خطابًا عاطفيًا يُستخدم أحيانًا لمواجهة الراغبين في الهجرة، من قبيل الاستشهاد بعبارة «بلادي وإن جارت عليّ عزيزة».

فالشعارات، مهما كانت مؤثرة، لا تعالج مريضًا لا يستطيع تحمل كلفة العلاج، ولا توفر وسيلة نقل لمواطن ينتظر ساعات للوصول إلى عمله، ولا تحمي شخصًا يخشى التعرض للعنف أو السرقة في الطريق.

ومن هذه الزاوية، تصبح الهجرة بالنسبة إلى البعض أقل ارتباطًا بفكرة «كره الوطن» وأكثر ارتباطًا بالرغبة في حياة آمنة وكريمة.

لا أحد يملك الحق في محاكمة المهاجر

لكن اللافت في موقف الباحثة أنها لا تدعو إلى إصدار أحكام على أي طرف.

فهي تقول إنها لا تحكم على من استطاع «الفرار بجلده» من الظروف الصعبة، كما لا تحكم على من لم تسمح له ظروفه بالهجرة، ولا على من اختار البقاء طوعًا واختيارًا، سواء لأنه يحلم بغد أفضل، أو لأنه مستفيد من الوضع القائم، أو لأنه يخشى تجربة الهجرة ومخاطرها.

وهذه النقطة تضع الهجرة في إطار أكثر إنسانية.

فليس كل من غادر كان يبحث عن المال، وليس كل من بقي سعيدًا بواقعه، كما أن القدرة على الهجرة ليست متاحة للجميع أصلًا.

هناك من يملك المال والشهادات والعلاقات التي تسمح له بالسفر، وهناك من لا يملك سوى الرغبة في الرحيل.

وماذا عن المهاجرين الذين يأتون إلى تونس؟

وتذهب الباحثة أبعد من ذلك، معتبرة أن تجربة الشباب التونسي المهاجر يجب أن تجعل المجتمع أكثر قدرة على فهم المهاجرين القادمين من بلدان أخرى.

فإذا كان التونسي نفسه قد يضطر إلى ترك أسرته وبلده، وتحمل مخاطر السفر، والعيش في بيئة جديدة لا تضمن له بالضرورة حياة أفضل، فمن الصعب تجاهل الظروف الإنسانية التي قد تدفع أشخاصًا آخرين إلى اتخاذ القرار نفسه.

وتختصر ألفة يوسف الفكرة بالقول إن الله وحده يعلم حجم الشقاء الذي يمكن أن يعيشه الإنسان قبل أن يقرر الوصول إلى بلد آخر، حتى عندما لا يكون ذلك البلد قادرًا على ضمان الحياة التي يحلم بها.

الهجرة ليست دائمًا صراعًا سياسيًا

وفي نهاية طرحها، تدعو الباحثة إلى عدم تحويل كل نقاش حول الهجرة إلى معركة سياسية.

فالهجرة، في جانب كبير منها، قضية إنسانية قبل أن تكون ملفًا سياسيًا أو أمنيًا.

هناك أشخاص لا يبحثون عن شعارات، ولا عن انتصار سياسي، ولا عن صراع أيديولوجي، وإنما يريدون ببساطة أن يعيشوا في بلد يستطيعون فيه العمل بأمان، وعلاج أنفسهم، وتعليم أبنائهم، والحصول على الخدمات الأساسية، والتنقل دون خوف.

وهذا، في النهاية، ليس طلبًا استثنائيًا، بل أبسط ما يمكن أن يبحث عنه الإنسان في المكان الذي يختار أن يعيش فيه.

ويبقى السؤال الذي طرحته آل يوسف مفتوحًا، وربما أكثر إزعاجًا مما يبدو: لو اختفت القيود وأصبح باب الهجرة مفتوحًا فعلًا أمام جميع التونسيين، كم منهم سيختار البقاء في تونس طوعًا واختيارًا؟

قد لا تكون هناك إجابة دقيقة عن هذا السؤال، لكن مجرد طرحه يكشف أن النقاش الحقيقي حول الهجرة لا يبدأ دائمًا من الحدود والموانئ وقوارب العبور، بل قد يبدأ من الداخل… من نوع الحياة التي يجدها المواطن في بلده، ومن الأسباب التي تجعله يريد البقاء أو التفكير في الرحيل.

blank
مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى