الرئيسيةأخبار تونسالصحافة الألمانية :ماذا تريد برلين من تونس ...شراكة أم صفقة هجرة؟

الصحافة الألمانية :ماذا تريد برلين من تونس …شراكة أم صفقة هجرة؟

تمر زيارة وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إلى تونس دون أن تثير نقاشًا داخل الصحافة الألمانية حول طبيعة العلاقة التي تريد برلين بناءها مع دول المغرب العربي، وحول الثمن السياسي الذي قد تكون مستعدة لدفعه مقابل تعاون أكبر في ملف الهجرة.

فبينما قدمت الحكومة الألمانية الزيارة باعتبارها فرصة لتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع تونس، كشفت التغطية الصحفية الألمانية عن جانب أكثر تعقيدًا: ألمانيا تريد شريكًا اقتصاديًا وأمنيًا في جنوب المتوسط، لكنها تريد في الوقت نفسه من تونس تعاونًا أكبر في وقف الهجرة غير النظامية نحو أوروبا.

وهذه المعادلة تطرح سؤالًا أساسيًا: هل تتجه برلين إلى بناء شراكة متوازنة مع تونس، أم إلى جعل ملف الهجرة محورًا رئيسيًا للعلاقة بين البلدين؟

«مناورة صعبة» في المغرب العربي

شبكة التلفزيون الألمانية الرسمية وصفت جولة فاديفول في تونس والجزائر بأنها «مناورة ألمانيا الصعبة في المغرب العربي»، في إشارة إلى صعوبة الجمع بين المصالح المتعددة التي تبحث عنها برلين في المنطقة.

فالوزير الألماني لم يتوجه إلى تونس لمناقشة الهجرة فقط. على الطاولة توجد أيضًا ملفات الاقتصاد والطاقة والاستثمار والأمن وسلاسل التوريد والتعاون في مواجهة الاضطرابات التي تشهدها منطقة الساحل.

لكن الهجرة فرضت نفسها بقوة على أجندة الجولة، خصوصًا بعد التطورات الأخيرة في منطقة المتوسط وارتفاع أعداد المهاجرين المتجهين نحو الأراضي الأوروبية.

وخلال زيارته، شدد فاديفول على ضرورة التصدي لشبكات تهريب المهاجرين، مؤكدًا أن التعاون بين الدول المعنية ضروري لمواجهة هذه الشبكات.

غير أن هذا الطرح يفتح الباب أمام السؤال الذي تطرحه بعض الأصوات في ألمانيا: إلى أي حد تستطيع أوروبا تحميل دول شمال إفريقيا مسؤولية إدارة حدودها الخارجية؟

انتقادات لمقاربة أوروبا للهجرة

في هذا السياق، برزت انتقادات ألمانية للمقاربة الأوروبية التي تعتمد بصورة متزايدة على دول جنوب المتوسط لمنع المهاجرين من الوصول إلى أوروبا.

وترى خبيرة الهجرة يوديث كولنبرغر أن أوروبا أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على دول خارج الاتحاد الأوروبي في إدارة ملف الهجرة، وهو ما يثير بالنسبة إليها إشكالية سياسية وأخلاقية تتعلق بمدى قدرة أوروبا على حماية مصالحها من دون نقل جزء من مسؤولية إدارة حدودها إلى دول أخرى.

وتزداد حساسية هذا النقاش عندما يتعلق الأمر بتونس، التي أبرمت مع الاتحاد الأوروبي اتفاقًا واسعًا سنة 2023 تضمن تعاونًا في مجالات الاقتصاد والطاقة ومكافحة الهجرة غير النظامية.

فبالنسبة إلى منتقدي هذه السياسة، لا ينبغي أن تتحول المساعدات والاستثمارات الأوروبية إلى وسيلة ضغط من أجل دفع تونس إلى لعب دور حارس للحدود الأوروبية.

«الصداقة الجديدة لها ثمن»

صحيفة ألمانية أخرى تناولت زيارة فاديفول إلى تونس والجزائر من زاوية أكثر انتقادًا، معتبرة أن «الصداقات الجديدة لها ثمن».

وتشير هذه القراءة إلى أن ألمانيا تحاول إعادة تعزيز حضورها في شمال إفريقيا في وقت أصبحت فيه المنطقة أكثر أهمية بالنسبة إلى أوروبا بسبب الهجرة والطاقة والأمن وسلاسل التوريد.

لكن السؤال الذي تطرحه هذه المقاربة هو: ماذا تريد برلين في المقابل؟

الإجابة تبدو واضحة في مضمون التغطية الألمانية: تريد ألمانيا تعاونًا أكبر في مكافحة الهجرة غير النظامية، وملاحقة شبكات التهريب، وتعزيز التعاون الأمني، إلى جانب الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة.

وبذلك لا تبدو العلاقة الجديدة مجرد تعاون دبلوماسي تقليدي، وإنما تبادلًا للمصالح، لكل طرف فيه مطالبه وأوراق ضغطه.

تونس بين الضغط الأوروبي والحاجة إلى الشراكة

بالنسبة إلى تونس، تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا.

فالبلاد تحتاج إلى الاستثمارات الأوروبية، وإلى التعاون في الطاقة والتكنولوجيا والتكوين، كما يمثل السوق الأوروبية الوجهة الرئيسية لجزء كبير من الاقتصاد التونسي.

وفي المقابل، لا ترغب تونس في أن تتحول إلى منطقة عازلة تمنع المهاجرين من الوصول إلى أوروبا.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط الخلاف المحتملة بين الطرفين.

فألمانيا تريد تقليص الهجرة غير النظامية، بينما تريد تونس أن يكون التعاون مع أوروبا قائمًا على شراكة اقتصادية وسياسية أوسع، وليس على ملف الهجرة وحده.

الاقتصاد حاضر… ولكن الهجرة تتقدم عليه

وتكشف التغطية الألمانية أن الاقتصاد لم يكن غائبًا عن زيارة فاديفول.

فألمانيا تنظر إلى تونس باعتبارها دولة قريبة من السوق الأوروبية ويمكن أن تلعب دورًا مهمًا في بعض سلاسل التوريد، خصوصًا في الصناعات المرتبطة بالسيارات، إلى جانب مجالات الطاقة والتكنولوجيا والتكوين المهني.

كما أن ألمانيا تواجه نقصًا متزايدًا في اليد العاملة في عدد من القطاعات، وهو ما يجعل تونس شريكًا محتملًا في مجال التكوين واستقطاب الكفاءات والعمالة المنظمة.

لكن المفارقة أن ألمانيا تريد في الوقت نفسه هجرة منظمة ومضبوطة، بينما تسعى إلى منع الهجرة غير النظامية.

ومن هنا تصبح تونس بالنسبة إلى برلين دولة ذات أهمية مزدوجة: مصدرًا محتملًا للكفاءات والعمالة، وشريكًا مطلوبًا في الحد من الهجرة غير النظامية.

ملف الساحل يدخل على الخط

ولا تتوقف الحسابات الألمانية عند البحر المتوسط.

فبرلين تنظر بقلق إلى التدهور الأمني في منطقة الساحل، حيث تتداخل الجماعات المسلحة والإرهاب والفقر والاضطرابات السياسية مع موجات الهجرة نحو شمال إفريقيا ثم أوروبا.

ولهذا يسعى فاديفول إلى تعزيز التعاون مع دول المغرب العربي في مواجهة تداعيات عدم الاستقرار في الساحل.

وهنا تحاول ألمانيا تقديم معادلة تقول إن معالجة الهجرة تبدأ أيضًا من معالجة أسبابها الاقتصادية والأمنية، وليس فقط من تشديد الرقابة على الحدود.

لكن منتقدي السياسة الأوروبية يرون أن هذه المقاربة قد تؤدي إلى تحميل دول شمال إفريقيا مسؤوليات تتجاوز إمكاناتها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأزمة إقليمية واسعة تمتد من الساحل إلى البحر المتوسط.

هل أصبحت الهجرة مفتاح العلاقة الألمانية التونسية؟

ربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من التغطية الألمانية للزيارة.

فألمانيا لا تريد قطع العلاقات مع تونس، بل على العكس، تريد تعزيزها.

لكنها تريد في المقابل أن تكون تونس شريكًا أكثر فاعلية في إدارة ملف الهجرة.

وهنا تظهر المفارقة: كلما ازدادت أهمية تونس بالنسبة إلى أوروبا في ملف الهجرة، ازدادت أهمية الأوراق التي تمتلكها تونس في التفاوض مع أوروبا.

فالموقع الجغرافي، والتعاون الأمني، والقدرة على التأثير في مسارات الهجرة، كلها عناصر تمنح تونس أهمية استراتيجية بالنسبة إلى ألمانيا والاتحاد الأوروبي.

لكن هذه الأوراق لا يمكن أن تتحول إلى مكاسب لتونس إلا إذا استطاعت تحويل ملف الهجرة من عبء أمني أوروبي إلى جزء من شراكة سياسية واقتصادية متكاملة.

ما الذي تريده ألمانيا فعلًا؟

من خلال مجمل التغطية الألمانية، يمكن اختصار أهداف برلين في أربعة ملفات مترابطة:

الهجرة: تقليص الهجرة غير النظامية ومكافحة شبكات التهريب.

الأمن: تعزيز التعاون مع تونس ودول المنطقة، خصوصًا في مواجهة تداعيات الاضطرابات في الساحل.

الاقتصاد: حماية المصالح الألمانية والاستثمارات وسلاسل التوريد، خصوصًا في قطاع السيارات والصناعات المرتبطة به.

الطاقة: البحث عن شراكات جديدة مع دول شمال إفريقيا في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها سوق الطاقة الأوروبي.

وفي المقابل، تحتاج تونس إلى الاستثمار والتكنولوجيا والأسواق الأوروبية والدعم في قطاعات الطاقة والتكوين والتشغيل.

وهكذا فإن العلاقة بين تونس وألمانيا تدخل مرحلة جديدة عنوانها المصالح المتبادلة، ولكن أيضًا المفاوضات الصعبة حول الثمن الذي يدفعه كل طرف.

زيارة ليست بلا ثمن

تكشف الصحافة الألمانية أن زيارة فاديفول إلى تونس لا يمكن قراءتها باعتبارها زيارة مجاملة دبلوماسية.

إنها جزء من محاولة ألمانية لإعادة ترتيب العلاقة مع جنوب المتوسط في وقت تواجه فيه أوروبا أزمات متزامنة في الهجرة والطاقة والأمن والاقتصاد.

لكن الانتقادات الألمانية تطرح سؤالًا جوهريًا: هل تريد أوروبا شريكًا حقيقيًا في تونس، أم تريد شريكًا يساعدها على حماية حدودها؟

الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مستقبل العلاقة.

فإذا نجحت ألمانيا في الجمع بين التعاون الاقتصادي والاستثماري والتكوين والطاقة وبين معالجة ملف الهجرة في إطار شراكة متوازنة، فقد تتحول الزيارة إلى بداية مرحلة جديدة في العلاقات التونسية الألمانية.

أما إذا اختزلت العلاقة في مطالبة تونس بمنع المهاجرين من الوصول إلى أوروبا، فإن «الصداقة الجديدة» التي تتحدث عنها بعض الصحافة الألمانية قد تكون فعلًا صداقة لها ثمن… والثمن هذه المرة قد يكون سياسيًا أكثر منه اقتصاديًا.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى