ليست كل الكلمات التي نستعملها يومياً مجرد أوصاف عابرة. بعض الكلمات تختزن داخلها تاريخاً من الأحكام الاجتماعية، وتكشف كيف ينظر المجتمع إلى الفوارق بين المدينة والريف، وبين الأحياء الشعبية والمناطق الأكثر ثراءً، وبين «المتحضر» و«غير المتحضر». ومن بين هذه الكلمات تبرز في تونس كلمة «جبري»، التي تبدو في ظاهرها وصفاً لشخص خشن أو غير متحضر، لكنها، وفق بحث ميداني للباحثة التونسية ناديا شوش، تكشف آلية أكثر تعقيداً من مجرد السخرية من طريقة الكلام أو اللباس.
ناديا شاوش هي باحثة دكتوراه في قسم علوم التربية بجامعة جنوة الإيطالية، وتتابع دكتوراه في العلوم الاجتماعية، اختصاص الهجرة والعمليات متعددة الثقافات. كما شاركت مع الباحث الإيطالي باولو كوتيتا في أبحاث حول الهجرة والحدود وشبكات التضامن في تونس، من بينها فصل أكاديمي منشور سنة 2025 ضمن كتاب جامعي صادر عن مطبعة جامعة جنوة.
وفي بحثها حول كلمة «جبري»، تنطلق شوش من اللغة اليومية لتكشف ما هو أعمق: كيف تتحول الكلمة إلى أداة لوضع الإنسان في مرتبة أدنى داخل سلم اجتماعي غير مكتوب.
ماذا تعني كلمة «جبري»؟
تستخدم كلمة «جبري» في تونس عادة لوصف شخص يُنظر إليه باعتباره غير متحضر، أو خشناً، أو متأخراً اجتماعياً، أو غير منسجم مع قواعد السلوك التي تعتبرها الفئات الحضرية «طبيعية» أو «راقية».
وقد يكون الحكم مرتبطاً بالمظهر، أو اللباس، أو اللهجة، أو طريقة التصرف، وحتى بطريقة تناول الطعام.
وبذلك لا يصبح «جبري» مجرد وصف لسلوك محدد، وإنما حكماً اجتماعياً على صاحبه وموقعه داخل المجتمع.
وتشير الشاوش إلى أن هذه التسمية تُطلق خصوصاً على أشخاص ينحدرون من مناطق ريفية أو أحياء شعبية، عندما يُنظر إلى سلوكهم ولهجتهم باعتبارهما مختلفين عن المعايير الحضرية.
ومن أبرز الأمثلة طريقة نطق حرف القاف، إذ يمكن أن يُنظر إلى نطقه على الطريقة الريفية، أي قريباً من صوت «گ»، باعتباره علامة على الانتماء إلى بيئة ريفية، فيصبح الشخص عرضة لوصفه بـ«جبري».
أما صيغة الجمع فهي «جبورة».
اللهجة تتحول إلى علامة طبقية
المثير في هذه الظاهرة أن الشخص قد لا يُحكم عليه بسبب ما يقوله، وإنما بسبب كيفية قوله.
لهجته تكفي أحياناً لتحديد مكانه داخل الخريطة الاجتماعية.
وهكذا تصبح طريقة نطق حرف واحد دليلاً على الانتماء الجهوي أو الطبقي في نظر الآخرين.
وهنا يتحول الاختلاف اللغوي الطبيعي بين المناطق التونسية إلى أداة للتصنيف الاجتماعي.
فالمدينة تصبح معياراً، والريف يصبح هامشاً.
واللهجة الحضرية تصبح أكثر «رقياً»، فيما تُعامل اللهجة الريفية باعتبارها أقل تحضراً.
المفارقة: «الجبري» قد يبحث عن «جبري» آخر
لكن نادية الشاوش تذهب أبعد من ذلك.
فالشخص الذي يتعرض نفسه للوصم بكونه «جبرياً» قد يستخدم الكلمة ضد شخص آخر يعتبره أقل مكانة منه.
أي أن الوصمة لا تختفي عندما تنتقل من فئة إلى أخرى، بل يعاد إنتاجها.
الشخص المهمش يمكن أن يجد شخصاً أكثر هشاشة منه ليضعه في الهامش.
وهكذا تنتقل الكلمة من شخص إلى آخر، ومن منطقة إلى أخرى، ومن طبقة اجتماعية إلى طبقة أدنى.
وهذا ما يجعل «جبري» أكثر من مجرد كلمة مهينة؛ إنها تكشف، وفق هذه القراءة، كيفية بناء سلم اجتماعي غير معلن داخل المجتمع التونسي.
جبنيانة.. من «الجبورة» إلى وصم المهاجرين
تقدم الباحثة مثالاً من جبنيانة في ولاية صفاقس.
فالسكان المحليون في هذه المنطقة شبه الريفية قد يتعرضون أنفسهم لوصف «جبورة» من طرف بعض سكان صفاقس الأكثر حضرية.
لكن المفارقة أن بعض سكان جبنيانة أعادوا استخدام الوصف نفسه ضد فئة أخرى هي المهاجرون من إفريقيا جنوب الصحراء.
وتشير شوش إلى أنها وثقت كتابات على الجدران تحمل مضموناً مفاده أن أحياء السكان المحليين أصبحت تعيش «الغربة»، بينما أصبح «الجبورة» في أحيائهم.
المعنى الاجتماعي لهذه الكتابات شديد الدلالة: أبناؤنا غادروا إلى إيطاليا، وأشخاص آخرون، نعتبرهم أقل مكانة منا، حلوا مكانهم.
وهنا تتحول الوصمة إلى دائرة مغلقة.
من يصف سكان جبنيانة بأنهم «جبورة» قد يجد نفسه لاحقاً في موقع من يصف المهاجرين بأنهم «جبورة».
وبذلك لا تختفي التراتبية، وإنما يتغير الشخص الموجود في أسفلها.
كلمة «وصيف».. عندما يدخل اللون في معادلة التهميش
وتنتقل الشاوش إلى كلمة أخرى أكثر حساسية، هي «وصيف»، التي تستخدم في تونس للإشارة إلى الأشخاص ذوي البشرة السوداء.
وتقول إن الكلمة مرتبطة لغوياً بكلمة عربية تشير إلى الخادم أو العبد.
ومن هنا تصبح المسألة مختلفة عن «جبري».
فـ«جبري» يرتبط أساساً بالطبقة والمكان واللهجة والصورة الاجتماعية عن التحضر، بينما يحمل «وصيف» حمولة مرتبطة بلون البشرة وبالإرث التاريخي للعبودية.
وتشير الشاوش إلى أن بعض الأشخاص، وحتى داخل الأوساط الأكاديمية، يقللون من الحمولة العنصرية للكلمة ويعتبرونها مجرد وصف للون البشرة.
لكن هذه القراءة، بحسب البحث، تتجاهل التاريخ الاجتماعي الذي ارتبطت فيه البشرة السوداء بمواقع الخدمة والتبعية.
العبودية انتهت قانونياً.. لكن آثارها الاجتماعية لم تختف
ألغت تونس العبودية رسمياً سنة 1846، في عهد أحمد باي، في خطوة تاريخية جعلت البلاد من أوائل الدول التي اتخذت قراراً قانونياً بهذا الحجم.
لكن إلغاء العبودية قانونياً لا يعني بالضرورة اختفاء كل التصورات الاجتماعية التي نشأت حولها.
وتشير أبحاث ودراسات متعددة إلى استمرار بعض الرواسب المرتبطة بلون البشرة وبالموقع الاجتماعي التاريخي للتونسيين السود.
كما اتخذت تونس سنة 2018 خطوة قانونية مهمة بإصدار القانون الأساسي عدد 50 المتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، وهو قانون يجرّم التمييز على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل الوطني أو الإثني.
لكن اللغة اليومية تظل إحدى المساحات التي يمكن أن تستمر فيها رواسب اجتماعية قديمة حتى بعد تجريمها قانونياً.
«جبورة» في مواقع التواصل
وتورد شوش أمثلة من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بفيديوهات أو أخبار عن مهاجرات من إفريقيا جنوب الصحراء يلدن في مستشفيات تونسية.
في مثل هذه الحالات، تظهر كلمة «جبورة» في تعليقات بعض المستخدمين باعتبارها حكماً على النساء وأسلوب حياتهن، وترافق أحياناً مع اتهامات لهن بإنجاب عدد كبير من الأطفال أثناء رحلة الهجرة.
وهنا يحدث تحول خطير في وظيفة الكلمة.
فبعد أن كانت تصف شخصاً يُنظر إليه على أنه «غير متحضر»، تصبح وسيلة لإطلاق حكم جماعي على فئة بشرية كاملة.
من «جبري» إلى «وصيف».. قاموس يكشف المجتمع
تكشف هذه الكلمات، في القراءة التي تقدمها الباحثة، عن مستويات مختلفة من التهميش.
«جبري» يحيل إلى الريف والهامش الاجتماعي واللهجة وطريقة اللباس والسلوك.
«جبورة» هي صيغة الجمع التي تتحول أحياناً إلى تسمية جماعية.
أما «وصيف» فيحيل إلى اللون وإلى إرث اجتماعي أكثر ارتباطاً بتاريخ العبودية.
وتظهر في الخلفية كلمة أخرى هي «عبيد»، أي «العبيد»، وهي تسمية أصبحت مرفوضة قانونياً واجتماعياً إلى حد كبير، وإن كانت آثار التصورات التي ارتبطت بها تاريخياً لم تختف تماماً.
وبذلك تكشف اللغة عن تداخل ثلاثة مستويات من التمييز: الجهوي، والطبقي، والعنصري.
حين يصبح المهمش نفسه أداة للتهميش
ربما تكون أكثر النقاط إثارة في بحث نادية الشاوش أن التهميش لا يسير دائماً من الأعلى إلى الأسفل.
أحياناً ينتقل أفقياً.
الشخص الذي تعرض للإقصاء يمكن أن يمارس الإقصاء على شخص آخر.
ومن يشعر بأنه بعيد عن مركز المدينة قد يحاول الاقتراب من ذلك المركز عبر إبعاد شخص آخر عنه.
وهكذا تنتقل الوصمة من يد إلى أخرى.
في هذه الحالة لا يعود السؤال: «من هو الجبري؟».
بل يصبح السؤال: من يملك حق تحديد من هو الجبري؟
جبنيانة والعامرة.. خلف الكلمة واقع اجتماعي
تكتسب هذه القراءة أهمية خاصة في ظل ما شهدته مناطق جبنيانة والعامرة خلال السنوات الأخيرة من توترات مرتبطة بوجود أعداد كبيرة من المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء.
فقد تحولت المنطقتان إلى نقطتي تجمع وعبور مهمتين للمهاجرين الراغبين في الوصول إلى أوروبا، وهو ما خلق توترات اجتماعية وسياسية وأمنية مع السكان المحليين.
وتوثق دراسة أكاديمية شاركت فيها الشاوش التطورات المرتبطة بالهجرة والحدود والتضامن في تونس، وتضعها في سياق أوسع يتعلق بتحول تونس إلى بلد للهجرة والعبور، وبالسياسات الأوروبية والتونسية المتعلقة بالحدود والهجرة.
ومن هنا تصبح كلمة «جبري» مدخلاً لفهم شيء أكبر من اللغة: كيف تتشكل صورة «الآخر» داخل المجتمع، وكيف يمكن لشخص كان «آخرَ» في نظر فئة معينة أن يصنع «آخرَ» جديداً أكثر هشاشة منه.
كلمة صغيرة.. وسلّم اجتماعي كامل
في النهاية، قد تبدو «جبري» كلمة بسيطة من قاموس الشارع التونسي.
لكن عندما ننظر إليها من زاوية علم الاجتماع والهجرة، تصبح الكلمة أشبه بمرآة.
فهي تكشف علاقة المدينة بالريف، والمركز بالهامش، والغني بالفقير، والمتعلم بمن يعتبر أقل تعليماً، ثم التونسي بالمهاجر.
والأخطر أن هذه الحدود ليست ثابتة.
فمن كان في أسفل السلم يمكن أن يصعد درجة واحدة، ثم يبدأ بالنظر إلى من يوجد أسفله باعتباره «أقل قيمة».
وهكذا تتحول الوصمة إلى سلسلة.
جبري.. جبورة.. وصيف.. عبيد.
كلمات مختلفة، لكنها تكشف جميعاً كيف يمكن للغة أن تحمل داخلها تاريخاً من التراتبية والإقصاء.
وربما تكون الرسالة الأهم في بحث نادية الشاوش أن المشكلة ليست في الكلمة وحدها، بل في الحاجة الاجتماعية التي تجعلنا نستخدمها لوضع إنسان آخر في مكان أدنى منا.
فالإقصاء لا يحتاج دائماً إلى قانون أو مؤسسة.
أحياناً تكفي كلمة واحدة.
والسؤال الذي تتركه «جبري» مفتوحاً هو: هل نصف الآخر لأننا نراه فعلاً مختلفاً، أم لأننا نحتاج إلى أن يكون أقل منا حتى نشعر بأننا أقرب إلى المركز؟
المصادر
- جامعة جنوة – الملف الأكاديمي لنادية شاوش: تؤكد أنها باحثة دكتوراه في قسم علوم التربية، ضمن دكتوراه العلوم الاجتماعية، اختصاص الهجرة والعمليات متعددة الثقافات.
- مطبعة جامعة جنوة – كتاب «التضامن في الحركة»: يتضمن فصلاً بعنوان «الهجرة والحدود والتضامن في تونس» من إعداد باولو كوتيتا وناديا الشاوش.
- البحث الأكاديمي حول الهجرة والحدود والتضامن في تونس: شاركت فيه ناديا الشاوش إلى جانب باولو كوتيتا، ويتناول تطورات الهجرة وسياسات الحدود وشبكات التضامن في تونس.
- جامعة جنوة – قائمة طلبة دكتوراه العلوم الاجتماعية: تدرج ناديا الشاوش ضمن مسار «الهجرة والعمليات متعددة الثقافات».



