الرئيسية أخبار تونس حقل « نوارة » للغاز: بين سقف الوعود السياسية وحقائق الإنتاج الميداني

حقل « نوارة » للغاز: بين سقف الوعود السياسية وحقائق الإنتاج الميداني

0
40
blank

شهد قطاع الطاقة في تونس في فيفري 2020 حدثاً استثنائياً تمثل في تدشين حقل « نوارة » لإنتاج الغاز الطبيعي بصحراء تطاوين .

ورافق هذا التدشين خطاب سياسي متفائل جداً قاده رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد، والذي أكد حينها أن هذا المشروع الاستراتيجي سيحدث ثورة اقتصادية عبر الترفيع في الإنتاج الوطني للغاز بنسبة 50%، والمساهمة في تحقيق نسبة نمو اقتصادي بـ 1% .

اليوم، وبعد مرور أكثر من ست سنوات على دخوله طور الاستغلال، يطرح الشارع التونسي والمتابعون للشأن الاقتصادي سؤالاً ملحاً: أين يقف حقل نوارة اليوم من تلك الوعود؟

واقع الأرقام: قفزة إيجابية ولكن دون الطموحات

تؤكد آخر التقارير الرسمية الصادرة عن المرصد الوطني للطاقة والمناجم (ماي 2026) أن حقل نوارة يمر حالياً بفترة استقرار إيجابي؛ حيث سجل إنتاجه ارتفاعاً بنسبة 10% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. ويمثل الحقل اليوم الدعامة الأساسية لإنتاج الغاز التجاري الجاف في الجنوب التونسي، حيث تتراوح مساهمته الفعلية بين 18% و31% من إجمالي الإنتاج اليومي للغاز في البلاد .

ومع ذلك، تكشف هذه الأرقام بوضوح أن الحقل لم يبلغ نسبة « الـ 50% كزيادة ثابتة ومستدامة » في الإنتاج الوطني التي تم الإعلان عنها سابقاً، كما أن تأثيره على نسبة النمو الإجمالي ظل محدوداً ولم يبلغ عتبة الـ 1% المستهدفة [1.1.1، 1.2.7].

لماذا لم تتحقق الوعود بالكامل؟

يفسر الخبراء والمحللون في قطاع النفط والغاز هذا التباين بين الخطاب السياسي والواقع الميداني بثلاثة عوامل رئيسية:

  1. التعقيدات والمشاكل التقنية: واجه المشروع منذ انطلاقه اضطرابات وتقطعات متكررة في منشآت المعالجة الأولية بتطاوين أو في محطة المعالجة النهائية بـ « غنوش » (قابس)، مما حال دون استمرار الضخ بالطاقة التصميمية القصوى البالغة 2.7 مليون متر مكعب يومياً بشكل متواصل [1.1.2، 1.2.3].
  2. الإنتاج التدريجي وذروة الاحتياطي: وفقاً لبيانات منصة أوف شور تكنولوجي الدولية المتخصصة، فإن الحقل لم يستخرج حتى الآن سوى نحو 15.25% من إجمالي احتياطاته المتاحة. وتشير المخططات التقنية إلى أن الحقل يسير وفق منحنى إنتاج تصاعدي وتدريجي، ومن المتوقع أن يصل إلى ذروة إنتاجه القصوى بحلول عام 2029.
  3. تراجع الحقول الأخرى: جاء الانتعاش النسبي لحقل نوارة في وقت تعاني فيه الحقول التونسية الأخرى من هبوط طبيعي في الإنتاج (مثل حقل « حصدربال » الذي تراجع بنسبة 17%)، إلى جانب تراجع الإتاوة الجبائية الموظفة على الغاز الجزائري المار عبر تونس، مما جعل مساهمة نوارة تذهب لتعويض النقص الحاصل بدل إحداث طفرة إضافية.

معضلة العجز الطاقي المستمر

رغم الأهمية الاستراتيجية لحقل نوارة، الذي تديره المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية بالشراكة مناصفة مع شركة أو أم في النمساوية ، إلا أنه لم ينجح في كسر معضلة التبعية الطاقية لتونس. فالبلاد لا تزال تعتمد بنسبة تناهز 91% على الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء، وهو ما يضطر الدولة إلى الاستمرار في تغطية العجز عبر استيراد كميات هامة من الغاز الجزائري لمواجهة الطلب المتزايد.

يبقى حقل نوارة أكبر وأهم مشروع طاقي واستثماري في تاريخ تونس الحديث، وصمام أمان يمنع انهيار المنظومة الطاقية الوطنيةغير أن الدرس المستفاد من مسيرته حتى عام 2026 هو أن المشاريع الكبرى للمحروقات تخضع لنواميس الهندسة، والمسارات التقنية، والتمويل المستدام، بعيداً عن الطموحات الفورية والجداول الزمنية المسيسة.