عاد النزاع التحكيمي بين زينيث إنرجي والدولة التونسية إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة من بوابة اتهامات تتعلق باستقلالية رئيسة هيئة التحكيم الإيطالية سيسيليا كارّارا، التي أصدرت قراراً تحكيمياً لصالح الدولة التونسية.
وكانت زينيث قد أعلنت في جويلية الماضي أن شركتها التابعة كانا أوغ حصلت، بحسب قولها، على أدلة جديدة تعتبرها دليلاً على وجود علاقة غير معلنة بين مكتب المحاماة بوصيان–كناني، الذي مثّل الدولة التونسية في التحكيم، ورئيسة هيئة التحكيم كارّارا، وذلك في إطار محاولتها إبطال الحكم التحكيمي الذي رفض مطالبتها بتغريم الدولة بنحو مئة وثلاثين مليون دولار.
وفي أحدث تطور، كشفت زينيث مزيداً من التفاصيل عن حجتها، وقالت إن كارّارا شاركت في فعاليات ومؤتمرات في تونس خلال فترة النظر في القضية التحكيمية، وإن بعضها شهد حضور أو مشاركة مستشارين قانونيين يمثلون الجمهورية التونسية. كما قالت الشركة إنها تبحث فيما إذا كانت تكاليف مرتبطة بهذه المشاركات قد تحملتها الدولة التونسية أو جهات مرتبطة بها.
لكن شركة المحاماة بوصيان–كناني المتعهدة بالملف قدمت رواية مختلفة تماماً، رافضة ما تعتبره محاولة من زينيث للطعن في نزاهة رئيسة هيئة التحكيم بعد صدور حكم لم يكن في صالحها.
بوصيان–كناني: زينيث تحاول تحويل هزيمتها التحكيمية إلى قضية تضارب مصالح
في توضيح وصل إلى «تونيزي تيليغراف»، قال مكتب المحاماة بوصيان–كناني إن زينيث، بعد أن رفضت هيئة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية دعواها ضد الدولة التونسية، لجأت إلى المحكمة الفيدرالية السويسرية لطلب إبطال الحكم التحكيمي الصادر ضدها.
ويؤكد المكتب أن طلب الإبطال المرفوع أمام القضاء السويسري ليس استئنافاً عادياً، وإنما هو طعن استثنائي مقيّد بصور محدودة يمكن على أساسها طلب إبطال القرار التحكيمي إن ثبتت صحتها، معتبراً أن زينيث لجأت، بعد صدور الحكم ضدها، إلى التركيز على رئيسة هيئة التحكيم ومحاولة التشكيك في استقلاليتها.
وبحسب المكتب، فإن الشركة بنت جزءاً من حجتها على مشاركة كارّارا في ندوة مهنية في تونس انعقدت خلال سنة ألفين وثلاثة وعشرين، وعلى وجود المحامي سامي الهواربي ضمن المشاركين فيها.
لكن مكتب بوصيان–كناني ينفي أن يكون المحامي الأستاذ الهواربي، في تاريخ تلك المشاركة، شريكاً في المكتب أو ممثلاً له، مؤكداً أنه كان قد غادر المكتب المذكور سابقاً.
ماذا تقول الوثائق الرسمية عن علاقة الهواربي ببوصيان–كناني؟
هذه النقطة لم تعد بحاجة إلى تكهنات أو تدقيق غير مكتمل، إذ تؤكد الوثائق الرسمية والمستندات القانونية القاطعة انتهاء الشراكة رسمياً وبشكل مبكر.
فبالرجوع إلى مستخرج محضر جلسة الجمعية العامة الخارقة للعادة لشركة بوصيان وكناني والهواربي الدولية المنعقدة بتاريخ الثاني من جويلية عام ألفين وخمسة عشر، يتضح أن جدول الأعمال تضمن بندين أساسيين وحاسمين:
- تخفيض رأس المال الاجتماعي للشركة نتيجة انسحاب وخروج أحد الشركاء وهو الأستاذ سامي الهواربي.
- تغيير التسمية الاجتماعية للشركة وتعديل نظامها الأساسي تبعاً لهذا الانسحاب
هذا المستند الرسمي يثبت قانوناً وبشكل قاطع أن العلاقة المهنية والشراكة بين الأستاذ سامي الهواربي ومجموعة بوصيان-كناني قد انتهت رسمياً منذ جلسة جويلية عام ألفين وخمسة عشر، وهو ما يفرغ ادعاءات شركة زينيث من محتواها القانوني بشأن استمرار الشراكة في فترات لاحقة، ويؤكد دقة رواية مكتب بوصيان-كناني بأن الهواربي لم يكن شريكاً أو ممثلاً للمكتب وقت الفعالية المهنية المقامة سنة ألفين وثلاثة وعشرين
كارّارا والهواربي ظهرا فعلاً في ندوة مهنية مشتركة
هناك في المقابل واقعة لا خلاف على وجودها في الوثائق المنشورة.
فبرنامج تدريبي حول ممارسة الاستشارة في التحكيم نظمته جهات متخصصة في التحكيم، يظهر اسم سيسيليا كارّارا بصفتها مشاركة ضمن غيرها من المتدخلين، كما يظهر اسم سامي الهواربي بصفته مؤسس مكتب الهواربي ورئيس منتدى التحكيم الإفريقي.
غير أن وجود الاسمين في البرنامج نفسه لا يثبت، بمفرده، وجود علاقة خاصة بينهما، ولا يثبت وجود تضارب مصالح.
بل إن طبيعة النشاط نفسه كانت مهنية وتدريبية، وشارك فيه عدد من المختصين في التحكيم الدولي من مؤسسات وبلدان مختلفة.
وقد بيّن مكتب بوصيان–كناني أنّه مهما يكن من أمر، فإنّ المشاركة في مؤتمر أو في أي تظاهرة أكاديمية أو علمية، كما هو الحال في هذه القضية، لا تشكّل تضارباً في المصالح، خلافاً لما تمسّكت به شركة زينيث، ومن المعمول به يومياً في الأوساط المهنية أنّ المحكمين يشاركون في مثل هذه التظاهرات ويتعاملون مع بعضهم البعض دون أن يشكّل ذلك تضارباً في المصالح.
ويضيف المكتب أنّ شركة زينيث تعمّدت الخلط بين النشاط العلمي الأكاديمي للسيّدة كارّارا ونشاطها المهني كمحكّم، بغاية الإيهام بوجود تضارب مصالح وتضليل الرأي العام في هذا الخصوص.
بوصيان–كناني: الندوة كانت من تنظيم غرفة التجارة الدولية
الرد الذي تلقته «تونيزي تيليغراف» من بوصيان–كناني يضيف تفصيلاً مهماً إلى هذه الواقعة.
فالمكتب يؤكد أن الندوة التي تستند إليها زينيث لم تكن نشاطاً خاصاً بمكتب بوصيان–كناني الذي لم يشارك فيه قطعاً، بل كانت منظمة من قبل غرفة التجارة الدولية، وأن سامي الهواربي شارك في تنظيمها أو شارك فيها بصفته ممثلاً للغرفة في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، ولا علاقة له بشركة المحاماة بوصيان–كناني.
وماذا عن تكاليف إقامة كارّارا في تونس؟
هذه ربما تكون النقطة الأكثر حساسية في الروايتين.
فزينيث تقول إن لديها مواد تتعلق بمشاركة كارّارا في مؤتمرات وفعاليات في تونس، وإنها تبحث، بحسب بيانها، في مسألة ما إذا كانت الدولة التونسية أو ممثلوها قد تحملوا تكاليف مرتبطة بتلك المشاركات.
أما بوصيان–كناني فيقدم رواية مضادة تماماً.
ويقول المكتب إن رئيسة هيئة التحكيم قدمت إلى المحكمة الفيدرالية السويسرية، عن طريق محامي الدولة التونسية في سويسرا، تقريراً تنفي فيه الاتهام القائل إن إقامتها في تونس كانت على نفقة الطرف المنظم للندوة أو الدولة التونسية.
وهذه المعلومة، المدعومة بالتقرير والمستندات الرسمية، تمثل عنصراً مهماً في تقييم المسألة من طرف المحكمة الفيدرالية المتعهدة بالقضية.
نقطة أخرى يطرحها المكتب: ماذا حدث في نهاية جلسة المرافعة؟
ويضيف مكتب بوصيان–كناني في توضيحه أن رئيسة هيئة التحكيم، في نهاية جلسة المرافعة التي عقدت في باريس، توجهت إلى الطرفين وسألتهما عما إذا كانت لديهما تحفظات على سير الإجراءات.
وبحسب رواية المكتب، أجاب الطرفان بالنفي، وقال إنّ ذلك موثق في محضر رسمي.
ويعتبر المكتب أن هذه الواقعة مهمة، لأن زينيث، وفق روايته، لم تطعن في ذلك الوقت في حياد رئيسة هيئة التحكيم لأنها كانت تنتظر صدور حكم لصالحها.
ثم، بعد صدور الحكم التحكيمي ضدها، انتقلت الشركة إلى الطعن فيه أمام القضاء السويسري، مستندة إلى ما تعتبره أسباباً تتعلق بالإجراءات واستقلالية هيئة التحكيم التي لم تكن محل شك أو اختلاف قبل صدور الحكم.
الحكم الذي أشعل المواجهة
القضية الحالية تتعلق بتحكيم غرفة التجارة الدولية الذي طالبت فيه الشركة التابعة لزينيث، سنا أوغ، بتعويضات تقارب مئة وثلاثين مليون دولار من الدولة التونسية.
وفي جويلية عام ألفين وخمسة وعشرين، صدر الحكم التحكيمي برفض مطالبات الشركة، وهو الحكم الذي طعنت فيه أمام المحكمة الفيدرالية السويسرية.
وفي سبتمبر من عام ألفين وخمسة وعشرين، تقدمت سنا أوغ بطلب إبطال الحكم أمام القضاء السويسري، وتم قبول الطلب إجرائياً في أكتوبر من السنة نفسها في انتظار الحكم في الأصل.
زينيث تفتح جبهة جديدة أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان
وفي سبتمبر عام ألفين وستة وعشرين، أعلنت زينيث أنها تستعد لتقديم طلب أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في مسعى جديد للطعن في نتيجة التحكيم، مستندة إلى حجج تتعلق بالحق في محاكمة أمام هيئة مستقلة ومحايدة.
لكن من المهم هنا التذكير بأن ما طرحته زينيث بشأن العلاقة بين كارّارا والمحامي سامي الهواربي قد سقط إجرائياً وقانونياً بعد ثبوت انسحابه التام والنهائي من مكتب المحاماة بوصيان–كناني (محامي الدولة التونسية) منذ عام ألفين وخمسة عشر بموجب وثائق الشركة الرسمية.
المزاعم المتعلقة باتصالات كارّارا ومستشاري تونس تظل مجرد ادعاءات صادرة عن زينيث وشركتها التابعة، ولم يصدر، وفق المعطيات المنشورة، أي حكم قضائي يثبت صحة تلك الوقائع أو يؤيد وجود تضارب للمصالح.
وهذه ليست المعركة الوحيدة بين زينيث وتونس
ويأتي هذا النزاع في سياق أوسع من القضايا التي رفعتها شركات تابعة لزينيث ضد الدولة التونسية والمؤسسة التونسية للأنشطة البترولية.
فوفق قاعدة بيانات المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، توجد قضية أخرى رفعتها شركات تابعة لزينيث ضد الدولة التونسية، وهي مسجلة منذ جوان عام ألفين وثلاثة وعشرين ولا تزال معلقة، وتتعلق بامتيازات نفطية.
وتقول زينيث إن القيمة الإجمالية لمطالباتها في مختلف التحكيمات ضد تونس والمؤسسة التونسية للأنشطة البترولية تبلغ حالياً نحو ستمئة وتسعة وثلاثين مليوناً وسبعمئة ألف دولار.
