النتائج الجديدة لا تتحدث فقط عن وجود الفوسفاط.. بل عن إمكانية تحويل خام القصرين إلى منتج عالي الجودة قد يتيح بيعه بأسعار تفوق الأسعار المتداولة في الأسواق العالمية
لم تعد قصة الفوسفاط في القصرين مجرد حديث عن كميات إضافية يمكن أن تنضم إلى خريطة الإنتاج التونسي. فالمعطيات الجديدة التي أعلنتها الشركة الأسترالية فوسكو حول مشروع غزّات تفتح باباً مختلفاً تماماً: هل تحتوي القصرين على فوسفاط يمكن أن تكون قيمته التجارية أعلى من الفوسفاط التقليدي؟
الإجابة بدأت تتضح من نتائج الاختبارات المعدنية التي أجرتها الشركة على عينات من مكمن «ك أم»، أحد مكامن مشروع غزّات. فقد تمكنت الاختبارات من إنتاج مركز فوسفات وصلت نسبة خامس أكسيد الفوسفور فيه إلى 34 بالمائة، وهي أعلى درجة تركيز تسجلها الشركة في المشروع حتى الآن.
وهنا تكمن أهمية الرقم.
34 بالمائة ليست نسبة الفوسفاط الموجود في الأرض
قبل قراءة الرقم على أنه اكتشاف لـ«خام يحتوي على 34 بالمائة فوسفاط»، هناك نقطة تقنية أساسية: 34 بالمائة هي نسبة خامس أكسيد الفوسفور في المركز الناتج بعد معالجة الخام، وليست نسبة الفوسفاط في الصخور كما استخرجت من الأرض.
فالموارد المقدرة لمكمن «ك أم» تبلغ نحو 12 مليون طن من الخام بمتوسط 20.5 بالمائة من خامس أكسيد الفوسفور. لكن الاختبارات أظهرت أن هذا الخام يمكن إثراؤه وتحويله إلى مركز عالي الجودة يصل إلى 34 بالمائة.
وهذا الفرق هو جوهر القصة.
فوسكو لا تقول فقط إن القصرين تحتوي على فوسفاط، وإنما تختبر عملياً كيف يمكن رفع جودة الخام وتحويله إلى منتج أكثر قيمة وقابل للمنافسة في السوق الدولية.
أربعة اختبارات تجاوزت 33 بالمائة
أجرت الشركة خمسة اختبارات على عينات «ك أم»، تراوحت فيها درجة تركيز المركز بين 31.4 و34 بالمائة من خامس أكسيد الفوسفور.
والأكثر إثارة أن أربعة اختبارات من أصل خمسة تجاوزت 33 بالمائة، في حين تتراوح الدرجة التي يتم تداولها عادة في أسواق الفوسفات الموجه لصناعة الأسمدة بين نحو 29 و32 بالمائة.
كما تراوحت نسب الاستخلاص بين 73.5 و77.8 بالمائة، مع مستويات منخفضة من السيليكا تراوحت بين 2.42 و3.2 بالمائة. وتقول الشركة إن مؤشرات العناصر الثانوية المسجلة كانت الأدنى التي يتم تحقيقها حتى الآن في غزّات.
لماذا قد يكون هذا مهماً لتونس؟
لأن الفرق بين خام عادي ومركز فوسفات عالي الجودة ليس فرقاً تقنياً فقط، بل يمكن أن يتحول إلى فرق في السعر والقيمة الاقتصادية.
فوسكو تقول إن الفوسفات الذي يتمتع بخصائص مماثلة يمكن أن يتداول بعلاوة سعرية مقارنة بالأسعار المرجعية الإقليمية، بسبب ندرته وما يوفره من مزايا في النقل والمعالجة اللاحقة.
بعبارة أبسط: إذا تأكدت هذه النتائج على نطاق أوسع، فقد لا يكون السؤال فقط كم طناً تستطيع تونس استخراجَه من القصرين؟ بل أيضاً كم تبلغ قيمة الطن التونسي في السوق؟
المفاجأة الثانية: إنتاج الجودة العالية قد يكون أبسط مما كان متوقعاً
المفاجأة لا تتوقف عند نسبة التركيز.
فالشركة تقول إن الاختبارات أثبتت إمكانية الوصول إلى هذه النوعية من المركز باستخدام عملية تعويم مبسطة من مرحلة واحدة، بدلاً من المسار الأكثر تعقيداً الذي كان مطروحاً في التصميم السابق للمشروع.
وهذا التطور يمكن أن يكون مهماً اقتصادياً، لأنه يعني تقليل التعقيد والمخاطر التقنية في عملية المعالجة.
وتقول فوسكو إن المنهج الجديد يركز على الطبقة «ب» من مكمن «ك أم» ويلغي الحاجة إلى مراحل إضافية لإعادة التنقية.
القصرين تدخل الحسابات الكبرى
ولا يتعلق الأمر بمكمن صغير معزول.
فوسكو تملك مشروع القصعات بالكامل، وتقول إن رخصة الاستكشاف تغطي نحو 112 كيلومتراً مربعاً في منطقة القصرين. ويضم المشروع عدة مكامن، من بينها «جي كاي» و«كي أل» و«س أب أوز» و«ك أم» و«دو أتش» و«جي إي». وتقدر الموارد الإجمالية للمشروع بنحو 166.6 مليون طن بمتوسط 20.6 بالمائة من خامس أكسيد الفوسفور.
وهذه الأرقام تجعل ما يحدث في «ك أم» مهماً بالنسبة إلى المشروع ككل، لأن نجاح عملية إثراء الخام قد ينعكس على الطريقة التي تنظر بها الشركة إلى بقية موارد غزّات.
وليس «ك أم» وحده
قبل أيام فقط، أعلنت فوسكو نتائج خمسة آبار في منطقة «كي أتش» بالقصرين، وجاءت جميعها حاملة لطبقات فوسفاتية، من بينها مقطع بطول 19.4 متراً بمتوسط 20.66 بالمائة من خامس أكسيد الفوسفور، مع نطاق يبلغ 9 أمتار بتركيز 24.21 بالمائة.
واللافت أن منطقة «كي أتش» تقع على بعد نحو 3.5 كيلومترات من الموقع المقترح لوحدة المعالجة، وهو عامل يمكن أن تكون له أهمية في تكاليف النقل والتطوير إذا تأكدت الجدوى الاقتصادية للمشروع.
وهكذا تتراكم المعطيات: موارد كبيرة، مكامن جديدة، خامات ذات تركيزات مهمة، ثم نتائج معالجة ترفع جودة المركز إلى 34 بالمائة.
لكن القصرين لم تصبح بعد منجماً منتجاً
رغم كل هذه الأرقام، يجب عدم القفز إلى نتيجة مفادها أن فوسكو اكتشفت بالفعل منجماً منتجاً أو أن تونس أصبحت أمام مشروع جاهز للاستخراج.
فالاختبارات المعدنية تثبت إمكانية المعالجة وتحسين الجودة، لكنها لا تعني وحدها أن المشروع أصبح مربحاً أو جاهزاً للإنتاج الصناعي.
ولهذا قررت فوسكو تأجيل تحديث دراسة التقييم الأولي للمشروع إلى أكتوبر 2026 لإدماج نتائج الاختبارات الجديدة وإعادة حساب اقتصاديات المشروع، مع إجراء اختبارات إضافية لدراسة اختلاف خصائص الخام بين مناطق غزّات.
السؤال الذي يستحق المتابعة
القصة الحقيقية في القصرين بدأت الآن تأخذ شكلاً مختلفاً.
فالمسألة لم تعد مجرد العثور على فوسفاط جديد في منطقة معروفة أصلاً بثروتها الفوسفاتية، وإنما معرفة ما إذا كانت هذه الثروة قادرة على إنتاج مركز فوسفات عالي الجودة، منخفض الشوائب، وبعملية معالجة أبسط، وبسعر أعلى في الأسواق العالمية.
إذا أكدت الاختبارات المقبلة هذه النتائج على نطاق أوسع، فقد تتحول القصرين من مجرد منطقة واعدة على خريطة الاستكشاف إلى واحدة من أهم الرهانات الجديدة على مستقبل الفوسفاط التونسي.
والرقم الذي يستحق أن يبقى في الواجهة حالياً هو: 34 بالمائة.
ليس لأنه يعني أن الصخور في القصرين تحتوي على 34 بالمائة فوسفاط، بل لأنه يعني أن الشركة استطاعت، في الاختبارات، رفع خام «ك أم» إلى مركز فوسفات بهذه الدرجة من الجودة.
