الرئيسيةأخبار تونسفات الميعاد.. تونس أمام صيف كهربائي لم يعد قابلاً للإنقاذ

فات الميعاد.. تونس أمام صيف كهربائي لم يعد قابلاً للإنقاذ

لم يعد الحديث في تونس عن أزمة كهرباء عابرة مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، بل عن اختلال متزايد بين الإنتاج والاستهلاك جعل اللجوء إلى القطع الدوري للتيار الكهربائي أمراً متكرراً في عدد من المناطق، فيما يبدو أن هامش المناورة لإنقاذ ما تبقى من صيف 2026 قد أصبح محدوداً جداً.

والخلاصة الأكثر إثارة جاءت على لسان إلياس بن عمار، الكاتب العام المساعد للجامعة العامة للكهرباء والغاز التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، الذي قال إن «فات الميعاد لإنقاذ صيف 2026»، معتبراً أن الإنتاج المتاح لم يعد قادراً على مواكبة الطلب، خصوصاً خلال فترات ذروة الاستهلاك.

وفي تصريح هاتفي اليوم الخميس 27 أوت 2026 لإذاعة جوهرة أف أم، أوضح بن عمار أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الأعطاب العرضية التي يمكن أن تصيب بعض التجهيزات، رغم أن الحرارة الاستثنائية قد تؤثر في جاهزية المعدات، وإنما في الفارق الهيكلي بين العرض والطلب على الكهرباء.

عندما يصبح الليل أخطر من النهار

المثير في الأزمة الحالية أن ذروة الاستهلاك لم تعد بالضرورة مرتبطة بمنتصف النهار.

فبحسب بن عمار، تتجاوز ذروة الاستهلاك خلال الليل في بعض الأيام تلك المسجلة في منتصف النهار، نتيجة استمرار ارتفاع درجات الحرارة داخل المنازل والمباني حتى بعد غروب الشمس، وما يرافق ذلك من تشغيل مكيفات الهواء لساعات إضافية.

وهذا ما يفسر وصول القطع الدوري للتيار إلى الفترة المسائية والليلية، بعد أن كانت عمليات التخفيف من الضغط على الشبكة تتركز أساساً خلال فترة ما بعد الظهر.

وكانت الشركة التونسية للكهرباء والغاز قد استأنفت منذ 20 أوت نشر قوائم المناطق المعنية بالقطع الدوري والمتقطع، مع تسجيل تدخلات خلال الفترة الممتدة بين الواحدة والخامسة مساء، قبل أن تمتد عمليات القطع في بعض الأيام إلى الفترة الليلية، بين العاشرة ليلاً ومنتصف الليل.

القطع ليس المشكلة.. بل محاولة لمنع الانهيار

وتؤكد التفسيرات الفنية المقدمة من مسؤولي قطاع الكهرباء أن القطع الدوري لا يعني بالضرورة وجود عطب في الشبكة، وإنما يمثل إحدى آليات التحكم في الاستهلاك عندما يصبح الطلب أكبر من القدرة المتاحة.

فعندما يقترب النظام الكهربائي من مستوى يهدد استقراره، يتم قطع التيار مؤقتاً عن بعض المناطق لتخفيف الحمل والحيلولة دون انهيار شامل للشبكة.

وبعبارة أخرى، فإن الانقطاع المحلي والمؤقت يصبح، في هذه الحالة، وسيلة لحماية الشبكة بأكملها من انقطاع واسع النطاق.

وفي هذا السياق، أشاد بن عمار بأعوان الشركة التونسية للكهرباء والغاز وإطاراتها وفنييها، مؤكداً أنهم يعملون في ظروف صعبة للحفاظ على استقرار الشبكة رغم الحرارة والأعطاب والضغط الكبير على المنظومة.

ألفا ميغاواط.. حجم الفجوة التي تثير القلق

لكن المشكلة تتجاوز إدارة ساعات الذروة.

فقد كان بن عمار قد كشف، الثلاثاء الماضي، أن الفجوة بين الطلب والقدرات المتاحة يمكن أن تصل إلى نحو 2000 ميغاواط خلال فترات الذروة.

وهذا الرقم لا يعني نقصاً في إنتاج يوم كامل، وإنما يمثل مقدار القدرة الكهربائية التي تكون المنظومة في حاجة إليها في اللحظة التي يبلغ فيها الاستهلاك أقصاه.

وكان عضو الجامعة العامة للكهرباء والغاز محمد عاطف بوعبد الله قد تحدث في 24 جويلية عن طلب في حدود 6000 ميغاواط مقابل قدرة إنتاجية لا تتجاوز نحو 4400 ميغاواط، أي بفارق يقارب 1600 ميغاواط في ذلك الوقت.

أما معالجة عجز في حدود 2000 ميغاواط فتحتاج، وفق تقدير بن عمار، إلى إنشاء ما لا يقل عن أربع محطات كهربائية جديدة، وهو ما يستحيل إنجازه في غضون أسابيع، خصوصاً أن مشاريع إنتاج الكهرباء تحتاج إلى سنوات من التخطيط والإنجاز والربط بالشبكة.

وهنا تحديداً تكمن عبارة «فات الميعاد»: فحتى لو اتخذت القرارات اليوم، فإنها لن تضيف ميغاواطات جديدة إلى الشبكة قبل نهاية هذا الصيف.

حتى الجزائر ليست حلاً دائماً

وتعتمد تونس أيضاً على استيراد الكهرباء من الجزائر لتغطية جزء من حاجياتها، غير أن هذا الحل بدوره له حدود.

فعندما تبلغ درجات الحرارة مستويات مرتفعة في البلدين في الوقت نفسه، يرتفع الطلب على الكهرباء في الجزائر أيضاً، ما يقلص هامش الطاقة المتاح للتصدير نحو تونس.

وبالتالي، لا يمكن التعويل على الواردات وحدها لمعالجة اختلال هيكلي في الإنتاج المحلي.

كما أشار المهندس المختص في الطاقة فؤاد علي إلى عوامل أخرى تزيد الضغط، من بينها ارتفاع الرطوبة، الذي يدفع مكيفات الهواء إلى العمل لفترات أطول، وتأثير الحرارة المرتفعة في كفاءة بعض تجهيزات الإنتاج والتبريد.

وتحدث أيضاً عن تأخر مشاريع كان من شأنها إضافة نحو 870 ميغاواط إلى قدرات المنظومة الكهربائية، لكنها لم تدخل الشبكة بعد.

هل يستطيع التونسي إنقاذ الشبكة؟

في انتظار حلول هيكلية، يبقى الإجراء الوحيد المتاح على المدى القصير هو تخفيف الاستهلاك خلال ساعات الذروة.

ودعا بن عمار المواطنين إلى الالتزام بتوصيات الشركة التونسية للكهرباء والغاز والوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، وخاصة ضبط أجهزة التكييف على 26 درجة مئوية.

وقد تبدو بعض الإجراءات بسيطة، لكن توفير كل ميغاواط خلال لحظات الذروة يمكن أن يساعد في تخفيف الضغط على الشبكة وتقليص الحاجة إلى القطع.

غير أن بن عمار يؤكد أن الاقتصاد في الاستهلاك، مهما كان ضرورياً، لن يحل المشكلة الهيكلية.

أزمة تتجاوز صيف 2026

وتقول الجامعة العامة للكهرباء والغاز إن تحذيراتها ليست جديدة، وإنها أعدت منذ سنة 2018 وثيقة حذرت فيها من تداعيات الخيارات المتبعة في قطاع الطاقة، وقدمت لاحقاً مقترحات لتعزيز الإنتاج.

وتأتي هذه التصريحات في وقت عقدت فيه رئاسة الجمهورية اجتماعاً خصص، من بين ملفات أخرى، لانقطاعات الماء والكهرباء في عدد من المناطق.

وفي بيان نشر فجر الخميس، قال رئيس الجمهورية قيس سعيّد إن التحقيقات أظهرت، وفق ما أُبلغ به، أن بعض الانقطاعات لم تكن نتيجة «أعطاب عادية»، وإنما بسبب «أعمال مدبرة» تهدف إلى تأجيج التوترات. غير أن الرئاسة لم تقدم تفاصيل حول طبيعة هذه الأعمال أو الجهات التي تقف وراءها أو المناطق المعنية بها.

ومن المهم التمييز هنا بين هذه التصريحات وبين القطع الدوري الذي تعلنه الشركة التونسية للكهرباء والغاز لمواجهة ذروة الطلب، والذي يفسره مسؤولو القطاع بالحاجة إلى الحفاظ على توازن الشبكة.

ومع استمرار درجات الحرارة المرتفعة، التي بلغت في بعض المناطق 48 درجة مئوية، تبدو المنظومة أمام اختبار صعب خلال الأيام المتبقية من الصيف.

لكن الرسالة الأخطر ليست في انقطاع التيار اليوم أو غداً، بل في ما يعنيه ذلك للصيف المقبل.

صيف 2026 قد يكون فات أوانه، لكن إذا لم تبدأ الاستعدادات من الآن، فإن السؤال لن يكون كيف تنقذ تونس ما تبقى من هذا الصيف، بل كيف تتجنب تكرار الأزمة نفسها في صيف 2027.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى