تحول مشروع مخطط التنمية 2026-2030، المعروض على أنظار مجلس نواب الشعب، إلى محور جدل واسع تحت قبة البرلمان، بعد أن دعا عدد من النواب إلى رفضه والتصويت ضده، معتبرين أن الوثيقة المطروحة تفتقر إلى الضمانات الكافية لإنجاز ما تتضمنه من أهداف ومشاريع، في حين دافع آخرون عن أهمية المخطط مع المطالبة بتعزيز آليات المتابعة والتقييم.
وخلال الجلسة العامة المخصصة للنظر في مشروع المخطط، انتقد النائب محمد علي طريقة إعداد الوثيقة، معتبرا أن البرلمان مدعو إلى المصادقة على مشروع لم يشارك فعليا في صياغته، ولا يملك إمكانية إدخال تعديلات جوهرية عليه.
وقال النائب إن التصويت على المخطط يشبه « منح شيك على بياض لمدة خمس سنوات »، معتبرا أن الوثيقة تتضمن أهدافا اقتصادية واستثمارية طموحة دون تقديم دراسات أو معطيات كافية تثبت قابليتها للتنفيذ.
وأشار إلى أن المخطط يستهدف تعبئة استثمارات تفوق 102 مليار دينار وتحقيق معدل نمو سنوي في حدود 4.2 بالمائة، لكنه تساءل عن الأسس التي بنيت عليها هذه الفرضيات، وعن السيناريوهات البديلة في حال تدهور الظرف الاقتصادي العالمي أو ارتفاع أسعار الطاقة أو تراجع الطلب الخارجي.
كما أثار جملة من التساؤلات حول مصادر تمويل المشاريع المعلنة، في ظل ما وصفه بارتفاع حجم الدين العمومي واستمرار عجز الميزانية وضعف الادخار الوطني، داعيا إلى توضيح كيفية تعبئة الموارد المالية وآليات تنفيذ المشاريع وأولوياتها.
وفي ختام تدخله، دعا محمد علي النواب إلى التصويت ضد مشروع مخطط التنمية، مؤكدا أن اعتراضه لا يتعلق بمبدأ التخطيط في حد ذاته، وإنما بغياب، وفق تقديره، رؤية تمويلية واضحة وآليات ناجعة للمتابعة والتقييم.
ولم تقتصر التحفظات على مجلس نواب الشعب، إذ اعتبر عضو المجلس الوطني للجهات والأقاليم رياض الدريدي أن من أبرز نقائص المخطط غياب التشاور مع أعضاء مجلسي النواب والجهات والأقاليم خلال إعداد الصيغة النهائية، رغم أن المشروع انطلق، لأول مرة، من المقترحات التي رفعتها المجالس المحلية والجهوية ثم مجالس الأقاليم.
وأوضح الدريدي أن النواب وجدوا أنفسهم أمام وثيقة جاهزة لا يملكون بشأنها سوى القبول أو الرفض، معتبرا أن وزارة الاقتصاد والتخطيط كان بإمكانها تنظيم جلسات تشاورية قبل اعتماد النسخة النهائية.
وفي المقابل، أكد أن المنهج الجديد للتخطيط سمح بإدراج مشاريع لفائدة مناطق داخلية ومعتمديات ظلت مهمشة لسنوات، كما كرّس مبدأ العدالة بين الجهات، لكنه شدد على أن نجاح المخطط لن يقاس بعدد المشاريع المدرجة، وإنما بنسبة إنجازها على أرض الواقع.
ودعا إلى إعطاء الأولوية للمشاريع الهيكلية الكبرى، مثل تطوير شبكة السكك الحديدية وميناء النفيضة وتوسعة مطار تونس قرطاج، باعتبارها مشاريع قادرة على إحداث تحول اقتصادي حقيقي.
من جانبه، كان رئيس لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب، عصام شوشان، قد عبّر في تصريحات سابقة عن جملة من التحفظات بشأن قابلية المخطط للتنفيذ، مذكرا بأن نسب إنجاز المخططات التنموية السابقة لم تتجاوز، في أغلب الأحيان، ما بين 35 و37 بالمائة.
واعتبر أن العدد الكبير للمشاريع المقترحة يطرح إشكالا يتعلق بالإمكانات المالية والإدارية للدولة، خاصة في ظل محدودية الموارد واستمرار الضغوط على المالية العمومية، مشددا على أن نجاح أي مخطط يظل رهينا بمدى التوافق بين الأهداف المرسومة والموارد المتاحة.
وتزامنا مع انطلاق الجلسة العامة، أعلنت كتلة « لينتصر الشعب » مقاطعتها لأشغالها، معتبرة أن المخطط لم يعكس مخرجات المجالس المحلية والجهوية، وأنه يعيد، وفق تقديرها، إنتاج المقاربات التنموية السابقة.
كما شهدت الجلسة وقفة احتجاجية داخل قاعة البرلمان نفذها عدد من النواب للمطالبة بمعالجة إشكاليات التزود بالماء الصالح للشرب في عدد من الجهات، حيث اعتبرت النائبة هالة جاء بالله أن المخطط لا يتضمن، بحسب رأيها، استراتيجية واضحة لمعالجة ملف المياه.
وفي المقابل، أكد رئيس لجنة التخطيط الاستراتيجي صابر الجلاصي أن اللجنة أوصت بإخضاع تنفيذ المخطط إلى رقابة دورية من قبل البرلمان، مع مطالبة الحكومة بتقديم تقرير سنوي حول مدى تقدم إنجاز المشاريع المبرمجة، إلى جانب تقديم توصيات تتعلق بقطاعات النقل والإسكان والرقمنة والصحة والتشغيل.
ويأتي هذا الجدل في وقت تراهن فيه الحكومة على أن يشكل مخطط التنمية 2026-2030 الإطار المرجعي للسياسات الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يواصل عدد من النواب المطالبة بتوفير ضمانات أوضح بشأن التمويل، وآليات التنفيذ، ومتابعة الإنجاز، قبل منحه الضوء الأخضر النهائي.
وقبل دعوات التصويت ضد المشروع، وجّه النائب أحمد السعيداني انتقادات حادة للحكومة، معتبرا أن مشروع مخطط التنمية يفتقد إلى المصداقية بالنظر إلى الصعوبات التي تواجهها السلطة التنفيذية في إنجاز عدد من المشاريع وتسوية الملفات المالية الراهنة.
وقال السعيداني إنه من الصعب، وفق تقديره، منح الثقة لحكومة « لم تتمكن حتى من استكمال أشغال ملعب المنزه منذ سنوات »، متسائلا كيف يمكن لها تنفيذ مخطط تنموي يمتد على خمس سنوات ويتضمن أكثر من 21 ألف مشروع بكلفة تناهز 102 مليار دينار.
وأضاف أن ميزانية الاستثمار المرصودة لسنة 2026 لا تتجاوز، بحسب قوله، نحو 6.8 مليارات دينار، معتبرا أن تعبئة بقية الاعتمادات خلال السنوات اللاحقة تثير تساؤلات جدية حول واقعية التمويل وإمكانية تنفيذ المشاريع المعلنة.
كما انتقد ما اعتبره غياب مشاريع إنتاجية كبرى ضمن المخطط، قائلا إن الوثيقة لا تتضمن، وفق قراءته، مشاريع صناعية أو مؤسسات عمومية جديدة من شأنها توفير موارد إضافية للدولة، معتبرا أن الفرضيات الاقتصادية التي بني عليها المخطط، ومنها توقعات أسعار النفط، تبدو متفائلة أكثر من اللازم.
وختم السعيداني مداخلته بالدعوة إلى عدم المصادقة على المشروع بصيغته الحالية، معتبرا أن الحكومة مطالبة، أولا، بإثبات قدرتها على معالجة الملفات الاقتصادية والمالية العاجلة قبل الالتزام بتنفيذ برنامج تنموي بهذا الحجم.
