في سياق يتسم بتصاعد التوتر داخل أحد أهم المرافق الاقتصادية في تونس، جاءت الندوة الصحفية التي نظمتها النقابة الخصوصية لأعوان الشركة التونسية للشحن والترصيف لتسلّط الضوء على أزمة جديدة تتعلق بطلب عروض أصدره ديوان البحرية التجارية والموانئ، بهدف إسناد لزمة استغلال الفضاء المحاذي للرصيف الصناعي بميناء رادس.
أزمة تبدو في ظاهرها تقنية وإدارية، لكنها سرعان ما تحولت إلى ملف سياسي–اقتصادي مفتوح على أسئلة عميقة حول حدود المنافسة، ومستقبل المرفق العمومي، ودور الدولة في إدارة الموانئ الاستراتيجية.
من “إجراء عادي” إلى نقطة توتر
طلب العروض، وفق ما تم تداوله، يندرج في إطار إعادة تنظيم استغلال جزء من الفضاءات المينائية، وهو ما يعتبره البعض خطوة طبيعية ضمن سياسة تحديث الموانئ وتحسين نجاعتها.
غير أن تفاصيل الإعلان، خصوصًا فتح باب الترشح أمام “كل شخص معنوي أو في إطار مجمع شركات”، أثارت جدلاً واسعًا داخل القطاع، حيث اعتبره أنصار هذا التوجه مدخلاً لتعزيز المنافسة ورفع أداء الميناء، في وقت يعاني فيه من اختناقات لوجستية وتأخيرات متكررة في معالجة البضائع.
ويستند هذا الطرح إلى مقارنات مع موانئ عالمية مثل روتردام ومرسيليا ودبي، حيث يُقال إن المنافسة بين الفاعلين الاقتصاديين ساهمت في تحسين الجودة وتسريع نسق الخدمات.
في المقابل، يرى منتسبو الشركة التونسية للشحن والترصيف أن هذا التوجه قد يحمل في طياته “تفكيكًا تدريجيًا” لدور المؤسسة العمومية داخل الميناء.
رواية النقابة: استثمار عمومي مهدد
خلال الندوة الصحفية، أكد ممثلو النقابة الخصوصية أن الشركة التونسية للشحن والترصيف راكمت خبرة طويلة واستثمارات بشرية ومالية ضخمة، وأنها كانت في صدارة من حافظ على استمرارية نشاط رصيف السوائب الصلبة، حتى خلال الفترات الأكثر صعوبة بين 2019 و2025.
كما تم التذكير بأن الشركة تكبدت خسائر مالية معتبرة قُدّرت بحوالي 20 مليون دينار، إضافة إلى استثمارات إضافية قاربت 40 مليون دينار لإعادة إطلاق النشاط بعد أشغال التهيئة.
وترى النقابة أن تحميل المؤسسة العمومية أعباء إضافية، إلى جانب ما تصفه بـ”فائض الانتدابات”، قد أضعف قدرتها التنافسية، رغم دورها التاريخي في ضمان استمرارية المرفق المينائي.
زاوية قانونية: المنافسة أم الاستثناء؟
المثير في هذا الملف أن الجدل لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى التأويل القانوني لمنظومة الصفقات العمومية، خصوصًا الأمر عدد 1039 لسنة 2014.
فبينما يكرّس هذا الإطار مبدأ المنافسة، فإنه ينص أيضًا على إمكانية اعتماد الاستثناءات، مثل التفاوض المباشر، عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك، وعند وجود مؤسسة عمومية قادرة على ضمان استمرارية الخدمة.
هنا يطرح السؤال الجوهري:
هل نحن أمام تطبيق صارم لمبدأ المنافسة؟ أم أمام تجاهل محتمل لإمكانيات مؤسسة عمومية قائمة وفاعلة؟
ديوان الموانئ في قلب الجدل
المسؤولية المباشرة عن طلب العروض تعود إلى ديوان البحرية التجارية والموانئ، الذي يجد نفسه في قلب جدل يتجاوز الإجراء الإداري إلى نقاش أوسع حول نموذج الحوكمة المينائية في تونس.
موقف الاتحاد والنقابة: رفض التفويت
من جهتها، شددت هياكل الاتحاد العام التونسي للشغل على تمسكها بخيار تطوير المؤسسات العمومية بدل التفويت في أنشطتها، معتبرة أن الرصيف الصناعي يمثل جزءًا استراتيجيًا من نشاط ميناء رادس ومن الاقتصاد الوطني.
كما أكدت النقابة أن التحركات التي تم القيام بها سبقتها مراسلات رسمية إلى وزارة النقل وإلى ديوان الموانئ، في محاولة لفتح مسار تفاوضي قبل أي قرار نهائي.
شروط مثيرة للجدل
أحد أكثر النقاط إثارة في الملف يتعلق بالشروط الفنية الواردة في طلب العروض، والتي، بحسب النقابة، قد تؤدي عمليًا إلى إقصاء الشركة التونسية للشحن والترصيف نفسها من المنافسة.
ويتعلق الأمر خصوصًا بشرط أن يكون المترشح فاعلًا اقتصاديًا يستغل الرصيف لبضاعته الخاصة، وهو ما تعتبره النقابة معيارًا غير محايد في سياق نشاط يفترض أن يكون مفتوحًا على كل الخبرات المينائية المتخصصة.
أسئلة مفتوحة بلا أجوبة واضحة
مع تصاعد الجدل، تبرز مجموعة من الأسئلة التي لم تجد بعد إجابات رسمية واضحة:
- هل يعاني ميناء رادس فعلًا من أزمة نجاعة تستوجب إعادة هيكلة عميقة؟
- أم أن الإشكال يتعلق أساسًا بطريقة توزيع الأنشطة داخل الميناء؟
- وهل يمكن للمؤسسة العمومية أن تتطور داخل إطارها الحالي أم أن الحل يمر عبر إدخال فاعلين جدد؟
- وأخيرًا: أين ينتهي دور الدولة وأين تبدأ المنافسة في قطاع استراتيجي مثل الموانئ؟
بين النجاعة الاقتصادية وحماية المرفق العمومي
في ختام الندوة، تم التأكيد على أن الهدف ليس تعطيل النشاط أو الدخول في مواجهة مع أي طرف، بل فتح نقاش حول مستقبل قطاع يعتبر من أعمدة الاقتصاد الوطني.
لكن الواقع يظهر أن الملف يتجاوز بكثير مجرد “طلب عروض”، ليطرح سؤالًا أكبر:
أي نموذج لإدارة الموانئ تريد تونس في السنوات القادمة؟



