تحوّل ملف الصحفي ورئيس تحرير موقع «االكتيبة» محمد اليوسفي، الموقوف منذ 4 سبتمبر الجاري، إلى محور تحرك مهني وحقوقي في تونس، بعد تجمع صحفيين ونشطاء الثلاثاء أمام القطب القضائي الاقتصادي والمالي للمطالبة بالإفراج عنه والدفاع عن حرية الصحافة.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه هيئة الدفاع أن الملف يقوم، وفق قراءتها، على «افتراضات واستنتاجات» وتشكك في توفر عناصر مادية تثبت الشبهات المنسوبة إلى منوبها، تؤكد الجهات القضائية أن الأبحاث تتعلق بشبهات من بينها الإثراء غير المشروع وغسل الأموال. وبين الروايتين، يبقى القرار النهائي بيد القضاء، فيما تتسع دائرة النقاش حول حدود العمل الصحفي والضمانات القانونية الممنوحة للصحفيين في تونس.
تجمع صحفيون ونشطاء وممثلون عن المجتمع المدني، الثلاثاء 8 سبتمبر 2026، أمام القطب القضائي الاقتصادي والمالي بتونس، للمطالبة بالإفراج عن الصحفي محمد اليوسفي، رئيس تحرير موقع «القطيبة»، والدفاع عن حرية الصحافة.
وجاء التحرك بدعوة من النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، بالتزامن مع ندوة صحفية خصصت لملف اليوسفي، الذي أوقف يوم الجمعة 4 سبتمبر الجاري أمام مقر إذاعة «إكسبراس أف أم»، حيث كان يستعد للمشاركة في برنامج حول سياسة المياه.
ورفع المشاركون لافتات تطالب بالإفراج عن اليوسفي وتدافع عن حرية الصحافة، من بينها شعارات مثل «الصحافة ليست جريمة» و«لا للقيود المفروضة على الصحفيين»، كما ظهرت لافتة تحمل الرقم 54 مشطوباً، في إشارة إلى المرسوم عدد 54 المتعلق بالجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال.
وردد المحتجون خلال التجمع عدداً من الشعارات، من بينها «لا ماء ولا حرية: عطش وسجن»، و«الحرية للصحافة التونسية»، إضافة إلى شعارات تطالب بحرية الصحافة وتنتقد ما يعتبره المشاركون قيوداً على العمل الصحفي.

اليوسفي أمام التحقيق
وكان محمد اليوسفي قد أوقف يوم 4 سبتمبر، قبل أن يتم اقتياده إلى الفرقة المركزية الثالثة للأبحاث في الجرائم المالية المتشعبة للحرس الوطني بالعوينة، حيث تم وضعه على ذمة الاحتفاظ ابتداء من صباح السبت.
وبحسب النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، فإن التحقيق يشمل نشاط اليوسفي الصحفي والخط التحريري لموقع «القطيبة»، الذي يشغل فيه خطة رئيس تحرير. في المقابل، نقلت وكالة تونس إفريقيا للأنباء عن مصدر قضائي أن الأبحاث تتعلق، من بين أمور أخرى، بشبهات إثراء غير مشروع وغسل أموال.
وتم يوم الاثنين التمديد في فترة الاحتفاظ لمدة 48 ساعة إضافية، وفق ما ورد في المعطيات المقدمة حول الملف.
وكانت النقابة قد أعلنت أيضاً أن اليوسفي تعرض، خلال ليلة الجمعة إلى السبت، لوعكة صحية استوجبت نقله إلى المستشفى، وقالت إنه خضع لتدخل جراحي استعجالي، مطالبة بتمكينه من الرعاية الطبية اللازمة والإفراج عنه بالنظر إلى وضعه الصحي.
هيئة الدفاع: الملف قائم على «افتراضات واستنتاجات»
وخلال الندوة الصحفية، قدمت المحامية هالة بن سالم، عضو هيئة الدفاع عن محمد اليوسفي، قراءة الدفاع للملف، مع التأكيد على أنها ملزمة بسرية التحقيق.
وقالت بن سالم إنها اطلعت مباشرة على الملف، معتبرة أن جانباً منه يستند إلى «مجموعة من الافتراضات والاستنتاجات» الواردة في تقرير كان منطلقاً للأبحاث.
كما شككت هيئة الدفاع في وجود عناصر مادية، وفق ما عرضته المحامية، تثبت الشبهات المنسوبة إلى منوبها، مشيرة إلى عدم ظهور، بحسب قراءتها للملف، تحركات مالية غير عادية أو ممتلكات عقارية مشبوهة أو وثائق مالية تثبت الوقائع موضوع التتبع.
وأشارت المحامية كذلك إلى اعتماد بعض العناصر، وفق قولها، على معلومات متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، من بينها منشور قالت إنه لم يذكر اليوسفي بالاسم، وإنما جرى تفسير مضمونه على أنه يتعلق به.
وأكدت أن هذه المعطيات تمثل قراءة هيئة الدفاع لمحتوى الملف ولا تحسم في نتائج الأبحاث أو ما يمكن أن تنتهي إليه الجهات القضائية المختصة.

النقابة: «الصحافة في حالة طوارئ»
من جهته، قال رئيس النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، زياد دبّار، خلال الندوة الصحفية، إن وضع الصحافة في تونس بلغ، وفق تقديره، «حالة طوارئ»، معتبراً أن المهنة أصبحت تعمل في «وضعية نضال ومقاومة».
وحذر دبّار من أن استمرار الضغوط على الصحفيين قد يؤدي، بحسب تقديره، إلى تراجع قدرة وسائل الإعلام على العمل بصورة طبيعية، وصولاً إلى وضع قد يجد فيه المواطن نفسه أمام مصادر دعائية بدلاً من مصادر إخبارية موثوقة.
كما رفض اختزال وظيفة الصحافة في العلاقات العامة أو تقديم صورة مفادها أن «كل شيء تحت السيطرة» و«كل شيء على ما يرام»، مؤكداً أن دور الصحفي يتمثل في نقل مشاغل المواطنين وطرح الأسئلة ومعالجة القضايا ذات المصلحة العامة، بما في ذلك الملفات التي قد تكون محل خلاف أو انتقاد.
وتأتي هذه التصريحات والتحركات في سياق قضية محمد اليوسفي، التي تحولت إلى محور تحرك نقابي وحقوقي للمطالبة بالإفراج عنه والدفاع عن حرية العمل الصحفي، في انتظار ما ستسفر عنه الأبحاث والإجراءات القضائية الجارية.
وتبقى المعطيات المتعلقة بالشبهات المنسوبة إلى اليوسفي، وكذلك تقييم الأدلة والوقائع، من اختصاص القضاء الذي لم يصدر، إلى حد الآن، حكماً نهائياً في القضية.