تُظهر حادثة الاستهداف السيبراني الأخيرة التي تعرّضت لها اتصالات تونس من خلال إرسال رسائل ذات مضمون سياسي لا علاقة للمؤسسة به، أن شركات الاتصالات أصبحت في قلب حروب رقمية عابرة للحدود، لا تستثني أحدًا مهما بلغت جاهزيته التقنية.
غير أن ما يُحسب للمؤسسة التونسية هو سرعة التدخل واحتواء الحادثة في وقت قياسي، بما حال دون تحوّل الاختراق إلى أزمة واسعة أو تعطيل للخدمات.
ففي عالم اليوم، لم تعد الهجمات الإلكترونية تستهدف فقط تعطيل الأنظمة أو سرقة البيانات، بل أصبحت تُستخدم أيضًا لبث رسائل سياسية أو دعائية بهدف التشويش وضرب الثقة في المؤسسات.
وقد شهدت دول كبرى، بينها فرنسا، حوادث مماثلة طالت مؤسسات إعلامية واتصالات كبرى. ومن أبرز الأمثلة الهجوم السيبراني الذي استهدف قناة TV5Monde، حيث تم الاستيلاء على حساباتها وبث رسائل سياسية ودعائية، قبل أن تتمكن السلطات والخبراء من استعادة السيطرة.
كما تعرّضت شركات اتصالات فرنسية كبرى مثل بويغ تيليكوم لعمليات اختراق وتسريب بيانات، في حين واجهت مؤسسات اخرى على امتداد السنوات الماضية أعطالًا واختراقات مرتبطة بخدمات الرسائل والأنظمة الرقمية، ما يعكس هشاشة الفضاء السيبراني عالميًا مهما كانت قوة الشركات وإمكاناتها.
وفي هذا السياق، يبدو من الظلم تحميل اتصالات تونس مسؤولية مضمون الرسائل التي أرسلها القراصنة، لأن المؤسسة نفسها كانت ضحية محاولة قرصنة ممنهجة، مثلها مثل عشرات المؤسسات الدولية التي واجهت هجمات مماثلة.
فالهجمات السيبرانية اليوم تُصنّف ضمن أخطر التهديدات التي تواجه البنى التحتية الرقمية في العالم، بما في ذلك شبكات الاتصالات والطاقة والإعلام والمصارف.
وتشير دراسات حديثة إلى أن شبكات الاتصالات أصبحت هدفًا متزايدًا لعمليات الاحتيال والاختراق بسبب حجم البيانات وحساسية الخدمات التي تديرها.
الأهم في مثل هذه الحالات ليس وقوع الهجوم في حد ذاته، بل قدرة المؤسسة على سرعة الرصد والاستجابة واحتواء الأضرار، وهو ما يبدو أن Tunisie Telecom نجحت فيه، وفق المعطيات الأولية المتداولة.
فحتى أكبر المؤسسات العالمية، المدعومة بأقوى أنظمة الحماية، لم تتمكن من منع جميع الاختراقات، لأن الأمن السيبراني معركة يومية مفتوحة بين أنظمة الحماية وأساليب القرصنة المتطورة باستمرار.
ومن الضروري أيضًا التمييز بين “اختراق مؤسسة” و”تورّط مؤسسة”. فالقرصان يستغل أحيانًا منصات أو شبكات رسمية لنشر رسائل أو تنفيذ عمليات تضليل دون علم الجهة المالكة للبنية التحتية.
وبالتالي، فإن استخدام اسم أو شبكة مؤسسة ما لنشر محتوى معيّن لا يعني تبنّيها له، بل قد يكون دليلًا على أنها كانت هدفًا مباشرًا للهجوم.
إن ما حدث يجب أن يُقرأ في إطار التحديات السيبرانية العالمية التي تواجهها شركات الاتصالات، لا في إطار التشكيك في مؤسسة وطنية لعبت لعقود دورًا محوريًا في ضمان استمرارية الاتصالات والخدمات الرقمية في تونس.
بل إن الحادثة قد تكون مناسبة لتعزيز الاستثمار في الأمن السيبراني وتطوير منظومات الحماية والتنسيق بين المؤسسات الوطنية المختصة، خصوصًا في ظل تصاعد الهجمات الإلكترونية ذات الخلفيات السياسية والإعلامية حول العالم.



