دخلت العلاقات الدبلوماسية والأمنية بين إسبانيا والمغرب مرحلة حرجة من الاستنفار الشديد، عقب تدفق موجات هجرة جماعية وُصفت بأنها « الأضخم تاريخياً »؛ حيث تشير تقديرات الحكومة المحلية في مدينة سبتة إلى عبور نحو 60 ألف مهاجر خلال الساعات الماضية، وسط تسجيل 34 حالة وفاة على الأقل غرقاً وسحقاً أثناء محاولات العبور الجماعي.
وأمام هذا التحول الميداني الذي دفع السلطات الإسبانية للاستعانة بالجيش، وإعلان حالة « الطوارئ الإنسانية المطلقة »، يطرح المشهد السياسي والدبلوماسي ثلاثة سيناريوهات محتملة لمآلات هذه الأزمة.
السيناريو الأول: الترحيل السريع وتفعيل « قانون الإرجاع » الفوري (السيناريو الأقرب)
يتوقع هذا السيناريو نجاح قنوات التنسيق الأمني المباشر بين الرباط ومدريد لإعادة الوضع إلى طبيعته من خلال عمليات ترحيل واسعة وفورية.
- المؤشرات والمصادر: أكدت وزارة الداخلية الإسبانية بحسب ما نقلته صحيفة هسبريس المغربية وجود اتفاق رسمي وتنسيق « مثالي » عاجل لمراجعة وتنزيل الإجراءات المرتبطة بإعادة الأشخاص الذين دخلوا سبتة بطرق غير قانونية.
- كما أفادت شبكة بي بي سي الإخبارية بأن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز شدد على إعادة جميع المهاجرين غير النظاميين « في أقرب وقت ممكن »، كاشفاً أن أكثر من 25 ألف مهاجر عادوا بالفعل طواعية إلى الجانب المغربي نتيجة الضغوط الأمنية المشتركة وتفريق الحشود عند الشوا
- السيناريو الثاني: التصعيد الدبلوماسي وأزمة « الضغط الجيوسياسي »
- يرى محللون أن تدفق هذه الحشود قد يتحول إلى أزمة دبلوماسية ممتدة، في حال تبين وجود فتور في الضبط الحدودي كوسيلة ضغط سياسية من قبل الرباط تذكر بأزمة عام 2021.
- المؤشرات والمصادر: نقلت صحيفة لوموند الفرنسية عن قيادات حزبية مغربية (مثل عبد الله أعباكيل من الحزب الاشتراكي الموحد) إشارتهم إلى أن السلطات المغربية غضت الطرف بشكل يثير التساؤل، معتبرين أن هناك « نزعة لاستغلال ملف الهجرة لإحراج الحكومة الإسبانية » بسبب ملفات إقليمية.
- كما ربطت تحليلات نشرتها وسائل إعلام إسبانية وأوروبية بين تراخي الضبط الدبلوماسي وزيارة سانشيز الأخيرة إلى الجزائر (المنافس الإقليمي للمغرب)، مما أعاد ملف التوازن السياسي في شمال أفريقيا إلى الواجهة.
- السيناريو الثالث: تدويل الأزمة وتصدع فضاء « شنغن » الأوروبي
- يتحول هذا السيناريو بأزمة سبتة ومليلية من خلاف ثنائي إلى تهديد أمني أوروبي شامل، مما يفرض قيوداً مشددة على حدود الجوار وتفعيلاً للرقابة داخل فضاء « شنغن ». وتضغط حكومات يمينية، مثل إيطاليا وفنلندا، نحو تعليق الاتفاقية مؤقتاً مع إسبانيا، مما يضع بروكسل تحت ضغط مزدوج بين دعم مدريد ومطالب صد المهاجرين.
- ظلال الماضي: كيف تعيد أزمة اليوم سيناريو « زلزال 2021″؟
- يعيد المشهد الحالي إلى الأذهان التفاصيل الصادمة لأزمة ماي 2021، عندما واجهت العلاقات الإسبانية-المغربية أسوأ منعطف تاريخي لها. في ذلك الوقت، اندلعت الشرارة إثر استضافة مدريد لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج فوق أراضيها بهوية مزورة ودون إخطار الرباط؛ وجاء الرد المغربي ميدانياً عبر تخفيف الحراسة الحدودية، مما أسفر عن تدفق أزيد من 10 آلاف مهاجر (بينهم آلاف القاصرين) نحو سبتة سباحةً في غضون 48 ساعة فقط.
- ورغم أن تلك الأزمة تم تدويلها داخل البرلمان الأوروبي وانتهت بتحول استراتيجي تمثل في اعتراف إسبانيا بمبادرة الحكم الذاتي بالصحراء في مارس 2022، إلا أن التدفق الحالي البالغ 60 ألفاً يثبت أن ملف الحدود يظل برميلاً من البارود قابلًا للانفجار عند أي تراجع في التنسيق المشترك أو تغير في التحالفات الإقليمية في شمال أفريقيا.



