تكشف أحدث أرقام التجارة الخارجية التونسية إلى موفى ماي 2026 عن استمرار ضغوط عميقة على الاقتصاد الوطني، حيث ارتفع العجز التجاري بنسبة 24.5% مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، ليبلغ 10.41 مليارات دينار، مقابل 8.36 مليارات دينار في ماي 2025.
ولم يكن هذا التدهور معزولاً عن المسار العام للسنوات الأخيرة، إذ تضاعف تقريباً العجز مقارنة بما كان عليه في ماي 2024، عندما بلغ 6.41 مليارات دينار، فيما سجلت تونس في نهاية سنة 2025 رقماً قياسياً جديداً في العجز التجاري تجاوز 21.8 مليار دينار.
وتزامن ارتفاع العجز مع تراجع نسبة تغطية الواردات بالصادرات من 76.2% في ماي 2025 إلى 73% في ماي 2026، بعدما كانت في حدود 80.7% في ماي 2024.
الصادرات ترتفع… لكن الواردات تنمو بوتيرة أسرع
ورغم تسجيل الصادرات التونسية نمواً بنسبة 5% خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026، فإن الواردات ارتفعت بنسبة 9.6%، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين المداخيل والمصاريف الخارجية.
وبلغت قيمة الصادرات 28.17 مليار دينار مقابل 26.83 مليار دينار خلال الفترة نفسها من سنة 2025، في حين قفزت الواردات إلى 38.58 مليار دينار مقابل 35.2 مليار دينار.
وتعود الزيادة في الصادرات أساساً إلى قطاعات الصناعات الميكانيكية والكهربائية، والصناعات الغذائية، والطاقة. فقد ارتفعت صادرات الصناعات الغذائية بنسبة 20% مدفوعة بارتفاع مبيعات زيت الزيتون، كما سجل قطاع الطاقة نمواً بـ37.7% بفعل ارتفاع صادرات المنتجات المكررة.
في المقابل، تراجعت صادرات قطاع الفسفاط والمناجم بنسبة 31.8%، كما انخفضت صادرات النسيج والملابس والجلد بنسبة 6.2%.
الطاقة… الحلقة الأضعف في الميزان التجاري
تكشف تفاصيل العجز التجاري أن المشكلة الأساسية ما تزال مرتبطة بالطاقة، إذ بلغ العجز الطاقي 5.83 مليارات دينار مقابل 4.33 مليارات دينار خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2025.
وبذلك تمثل الطاقة أكثر من نصف إجمالي العجز التجاري، في وقت تعاني فيه تونس من ارتفاع فاتورة التوريد الطاقي وتراجع الإنتاج الوطني للمحروقات.
أما بقية مكونات العجز فتتوزع بين المواد الأولية ونصف المصنعة بـ2.60 مليار دينار، ومواد التجهيز بـ1.83 مليار دينار، ومواد الاستهلاك بـ1.10 مليار دينار.
في المقابل، سجل قطاع المواد الغذائية فائضاً بقيمة 943.4 مليون دينار.
السياحة والتحويلات… دعم مهم لكنه غير كاف
تظل عائدات السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج من أهم مصادر العملة الصعبة، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة اختلال تجاري متواصل.
فالمشكل الأساسي لا يتعلق فقط بتوفير السيولة، بل بقدرة الاقتصاد على خلق الثروة عبر الإنتاج والتصدير والاستثمار.
فالدول التي حققت تحولات اقتصادية كبرى لم تعتمد على موارد ظرفية أو خارجية فقط، بل بنت قوتها على صناعات تنافسية، ومؤسسات منتجة، وقدرة على الابتكار وخلق قيمة مضافة.
اختلال هيكلي يحتاج إلى تغيير في الخيارات الاقتصادية
الأرقام الجديدة تعيد طرح سؤال جوهري: هل ما تزال تونس تدير أزمة ظرفية، أم أنها تواجه اختلالاً هيكلياً في نموذجها الاقتصادي؟
فارتفاع العجز التجاري، وتفاقم العجز الطاقي، وضعف الاستثمار، وتراجع الادخار الوطني، كلها مؤشرات تؤكد أن التحدي لم يعد مجرد تمويل حاجيات آنية، بل إعادة بناء قدرة الاقتصاد على الإنتاج.
ويبدو أن هامش المناورة يضيق تدريجياً أمام استمرار الوضع الحالي، خصوصاً مع تزايد الضغوط المرتبطة بالطاقة والمالية العمومية والقدرة التشغيلية للاقتصاد.
نحو اقتصاد قائم على الإنتاج لا على التعويض
الخروج من هذه الحلقة يتطلب إصلاحات عميقة تشمل تسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة، وتحسين مناخ الاستثمار، وتحرير المبادرة الاقتصادية، وإعادة توجيه الموارد نحو القطاعات المنتجة.
كما يتطلب تحويل جزء أكبر من تحويلات التونسيين بالخارج نحو مشاريع استثمارية، وإعادة إدماج الأموال المتداولة خارج المنظومة البنكية في الدورة الاقتصادية.
فالرهان الحقيقي ليس فقط تقليص العجز التجاري، بل بناء اقتصاد قادر على خلق الثروة بدل البحث المستمر عن مصادر لتمويل العجز.
وتؤكد أرقام ماي 2026 أن الوقت المتاح لمعالجة الاختلالات ليس مفتوحاً، وأن كلفة التأخير قد تصبح أكبر من كلفة الإصلاح.



