عادت قضية المؤرخ وعالم الآثار ووزير الثقافة الأسبق عز الدين باش شاوش، البالغ من العمر 88 سنة، لتفتح النقاش حول حدود اللجوء إلى الإيقاف، وخاصة عندما يتعلق الأمر بأشخاص متقدمين في السن أو يعيشون أوضاعا صحية بالغة التعقيد.
فقد أعلن المحامي سامي بن غازي أن منوبه، الموضوع بالسجن إثر قرار صادر عن دائرة الاتهام يوم 9 جوان 2026، يعاني من وضع صحي بالغ الهشاشة، مشيرا إلى أنه يعتمد بشكل دائم على جهاز مساعد للتنفس، وأن حالته الجسدية تجعله غير قادر على القيام بشؤونه اليومية دون مساعدة.
وبعيدا عن تفاصيل الملف القضائي الذي يبقى من اختصاص القضاء وحده، تطرح مثل هذه الحالات سؤالا أوسع يتعلق بمدى قدرة المنظومة العدلية على إيجاد التوازن بين ضرورة ضمان حسن سير الإجراءات القضائية من جهة، واحترام الأوضاع الإنسانية الخاصة لبعض المتهمين أو المحكوم عليهم من جهة أخرى.
فهل تمثل المؤسسة السجنية دائما الخيار الوحيد لضمان حضور المتهم أمام القضاء أو تنفيذ قرارات العدالة؟ أم أن هناك بدائل قانونية يمكن تفعيلها بشكل أكبر، خاصة بالنسبة للفئات الهشة من كبار السن والمرضى؟
السوار الإلكتروني… بديل قانوني موجود لكنه لم يجد طريقه الكامل إلى التطبيق
من بين الحلول التي طرحتها المنظومة القانونية التونسية منذ سنوات، يأتي نظام المراقبة الإلكترونية بواسطة « السوار الإلكتروني »، باعتباره آلية تهدف إلى تحقيق التوازن بين مقتضيات العدالة والاعتبارات الإنسانية.
ويقوم هذا النظام على تثبيت سوار إلكتروني في معصم أو كاحل الشخص المعني، يكون مرتبطا بمنظومة مراقبة مركزية تسمح بمتابعة تحركاته عن بعد والتأكد من احترام الالتزامات التي يحددها القضاء، دون اللجوء بالضرورة إلى إيداعه السجن.
وقد اتجهت تونس إلى اعتماد هذا النظام في إطار البحث عن حلول لبعض الإشكاليات التي تعرفها المنظومة السجنية، وخاصة الاكتظاظ وارتفاع عدد الموقوفين، إضافة إلى توفير بدائل للعقوبات السجنية القصيرة أو لبعض الوضعيات الخاصة.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة العدل أن تجربة السوار الإلكتروني ما تزال في طور التطبيق التدريجي، وأنها اقتنت 200 سوار إلكتروني بكلفة تناهز 1.6 مليون دينار، مع استهداف حالات من بينها المساجين المقيمون بالمستشفيات وبعض الوضعيات المشابهة.
مرسوم 10 جوان 2020… الإطار القانوني للمراقبة الإلكترونية في تونس
ولم يكن السوار الإلكتروني مجرد إجراء تقني أو تجربة إدارية، بل أصبح له أساس قانوني واضح منذ صدور مرسوم رئيس الحكومة عدد 29 لسنة 2020 المؤرخ في 10 جوان 2020 والمتعلق بنظام المراقبة الإلكترونية في المادة الجزائية.
وقد جاء هذا المرسوم ليعدل مجلة الإجراءات الجزائية والمجلة الجزائية، ويمنح القضاء إمكانية اللجوء إلى المراقبة الإلكترونية كإجراء بديل في عدد من الحالات.
فقد نص المرسوم على أن لقاضي التحقيق، بعد استنطاق المظنون فيه وإبقائه بحالة سراح أو بعد الإفراج المؤقت عنه، إمكانية اتخاذ تدابير من بينها الوضع تحت المراقبة الإلكترونية لمدة أقصاها ستة أشهر غير قابلة للتمديد، مع إخضاع تنفيذ هذا الإجراء للمتابعة القضائية بمساعدة مكاتب المصاحبة المختصة.
كما أتاح المرسوم للقضاء فرض جملة من الالتزامات على الشخص الخاضع للمراقبة الإلكترونية، من بينها تحديد محل إقامته، وضبط أماكن تنقله وتوقيتها، ومنعه من مغادرة مناطق معينة أو ارتياد أماكن محددة، إضافة إلى التزامه بالحضور أمام الجهات القضائية عند استدعائه.
وفي جانب العقوبات البديلة، أضاف المرسوم المراقبة الإلكترونية إلى قائمة العقوبات المنصوص عليها في المجلة الجزائية، وأتاح للمحكمة إمكانية استبدال عقوبة السجن النافذ لمدة أقصاها عام واحد بعقوبة المراقبة الإلكترونية، وفق شروط محددة، من بينها حضور المتهم بالجلسة، وخضوعه للفحص الطبي، وثبوت جدوى هذا الإجراء للحفاظ على اندماجه في الحياة الاجتماعية.
كما منح المرسوم لقاضي تنفيذ العقوبات صلاحيات متابعة تنفيذ المراقبة الإلكترونية، وتعديل شروطها سواء بالتشديد أو التخفيف، بناء على تطورات وضعية الشخص المعني.
منطق جديد للعقوبة: حماية المجتمع دون تجاهل الكرامة الإنسانية
لا يعني اعتماد السوار الإلكتروني التخلي عن دور القضاء أو التساهل مع الجرائم، بل يمثل أداة إضافية تسمح للقاضي باختيار الإجراء الأكثر ملاءمة لكل حالة.
ففي العديد من الأنظمة القضائية المقارنة، يتم اللجوء إلى المراقبة الإلكترونية عندما لا تستوجب خطورة الشخص المعني أو طبيعة الأفعال المنسوبة إليه إبعاده كليا عن محيطه الاجتماعي، مع ضمان بقائه تحت رقابة السلطات.
كما أن هذه الآلية تنسجم مع مبدأ تفريد العقوبة، أي عدم التعامل مع جميع الحالات بنفس الطريقة، بل اعتماد تقييم فردي يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الملف، وشخصية المعني، ووضعه الصحي والاجتماعي.
وقد عرف القضاء التونسي تجربة عملية في هذا المجال، بعد صدور حكم جناحي عن المحكمة الابتدائية بصفاقس سنة 2021 قضى بعقوبة بديلة تتمثل في حمل السوار الإلكتروني.
كبار السن والمرضى… حالات تستوجب مقاربة خاصة
تثير قضية عز الدين باش شاوش تحديدا مسألة التعامل القضائي مع الأشخاص الذين تجعل أوضاعهم الصحية أو أعمارهم المتقدمة ظروف السجن أمرا بالغ الصعوبة من الناحية الإنسانية.
فالإيقاف التحفظي، وفق المبادئ القانونية، إجراء استثنائي هدفه ضمان حسن سير الأبحاث والمحاكمة، وليس عقوبة مسبقة قبل صدور حكم نهائي.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير آليات تقييم فردية لكل حالة، تأخذ بعين الاعتبار ليس فقط طبيعة التهم، وإنما أيضا الوضع الصحي والعمر ومدى إمكانية ضمان حضور المعني أمام القضاء بوسائل أخرى.
وفي مثل هذه الوضعيات، يمكن أن يشكل السوار الإلكتروني إحدى الأدوات التي تسمح بالحفاظ على سلطة القضاء، مع تجنب بعض الآثار القاسية التي قد تنجم عن الإيداع بالسجن بالنسبة لأشخاص يعانون من هشاشة صحية كبيرة.
نحو قضاء أكثر مرونة
قد يكون توسيع العمل بالسوار الإلكتروني أحد الحلول التي تسمح بتخفيف الضغط على المؤسسات السجنية، وتوفير بدائل للأشخاص الذين لا تمثل حريتهم خطرا على المجتمع، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هيبة القضاء وفعالية الإجراءات.
وفي حالات كبار السن والمرضى، قد يصبح السوار الإلكتروني أكثر من مجرد تقنية حديثة، بل وسيلة لتحقيق معادلة دقيقة: احترام قرارات العدالة من جهة، وصون الكرامة الإنسانية من جهة أخرى.



