الرئيسية آخر الأخبار العمل الحر و باي بال في تونس: لماذا وضع النواب العربة أمام...

العمل الحر و باي بال في تونس: لماذا وضع النواب العربة أمام الحصان؟

0
2
blank

قبل أن يسنّ مجلس نواب الشعب قانونًا خاصًا بالـفريلانس كان الأجدر به أن يحسم القانون الذي يمسك برقبة كل هذه الأنشطة: مجلة الصرف. فالمشكلة ليست في غياب الاعتراف بالعمل المستقل فقط، وإنما في منظومة صرف تعود إلى 1976 وتحدد كيف تدخل العملة الأجنبية إلى تونس وكيف يتصرف فيها التونسي المقيم.

تبدو مبادرة أحد عشر نائبًا لسنّ إطار قانوني خاص بالعمل المستقل والعمل عبر المنصات الرقمية خطوة في الاتجاه الصحيح. فهي تعترف بفئة من التونسيين أصبحت تبيع خدماتها إلى العالم من داخل تونس، وتبحث عن حل لمشكلة حقيقية تتمثل في صعوبة قبض المداخيل عبر منصات الدفع الدولية.

لكن عند التدقيق في المشهد التشريعي، تبرز مفارقة يصعب تجاهلها:

النواب يحاولون معالجة النتيجة قبل معالجة السبب.

ففي البرلمان نفسه يوجد منذ أكتوبر 2025 مقترح قانون عدد 115/2025 المتعلق بإصدار مجلة الصرف، وهو النص الأوسع والأكثر مباشرة في معالجة أصل الإشكال.

وقد أحيل هذا المقترح إلى لجنة المالية والميزانية في جانفي 2026، ثم شرعت اللجنة في الاستماع إلى مختلف الأطراف. وفي 20 أفريل استمعت إلى ممثلي وزارة المالية، وفي 30 أفريل إلى منظمة الأعراف، ثم في 1 جوان إلى كنفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية.

أي أن مجلة الصرف ليست فكرة مؤجلة أو مشروعًا على الورق لم يبدأ البرلمان في النظر فيه.

هي بالفعل على طاولة لجنة المالية.

والأهم أن النقاش داخل اللجنة وصل تحديدًا إلى المشكلة التي يحاول مقترح قانون العمل المستقل حلها.

النواب أنفسهم طرحوا قضية باي بال داخل نقاش مجلة الصرف

في جلسة 20 أفريل 2026، وخلال مناقشة مقترح مجلة الصرف مع ممثلي وزارة المالية، أثار النواب صراحة مسألة عدم اعتماد نظام الدفع الإلكتروني الدولي PayPal، وتساءلوا عن أسباب هذا التعطل، وما إذا كان مرتبطًا بالإطار التشريعي أو بالقيود الصرفية.

أي أن السؤال كان موجودًا بالفعل داخل المسار التشريعي الصحيح.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك.

في جلسة 30 أفريل، شدد ممثلو منظمة الأعراف على ضرورة أن تستوعب مجلة الصرف الجديدة التحولات الرقمية، وخاصة الأصول المشفرة ومنصات الدفع الدولية والمعاملات المالية الرقمية العابرة للحدود. كما أكد النواب أنفسهم أن تحديث المنظومة الصرفية شرط أساسي لتسهيل تحويل الأموال وتشجيع استقطاب العملة الأجنبية.

هنا تحديدًا تصبح المسألة مثيرة للتساؤل:

إذا كانت مجلة الصرف هي النص الذي يفترض أن ينظم العلاقة المالية بين التونسي والعالم، وإذا كان النواب قد طرحوا داخله مشكلة باي بال ومنصات الدفع الدولية، فلماذا الحاجة إلى قانون مستقل للعمل الحر قبل الانتهاء من مجلة الصرف؟

العربة أمام الحصان

المشكلة في مقترح قانون العمل المستقل ليست في الاعتراف بالـفريلانس.

هذا الاعتراف مطلوب.

وإدماج العاملين عبر الإنترنت في الاقتصاد الرسمي مطلوب.

وتسهيل حصولهم على أموالهم من الخارج مطلوب.

لكن هذه الأهداف كلها تحتاج في النهاية إلى قاعدة قانونية واحدة:

ما هي حقوق المقيم التونسي في العملة الأجنبية التي يكسبها من الخارج؟

وهذا سؤال من صميم مجلة الصرف.

فإذا سمح قانون العمل الحر للتونسي بفتح حساب خاص أو استقبال أمواله من منصة أجنبية، ثم بقيت مجلة الصرف تفرض عليه قيودًا أخرى في التصرف في هذه العملة، فإننا سنكون أمام قانون يَعِدُ بشيء، ومنظومة صرف تمنعه من الاستفادة منه بالكامل.

وهنا بالفعل تصبح العربة أمام الحصان.

السؤال الحقيقي ليس: كيف نُشرّع للـفريلانس؟

بل:

كيف نعيد صياغة علاقة تونس بالعملة الأجنبية؟

المستقل الرقمي ليس حالة استثنائية.

هو مجرد نموذج جديد من المصدرين.

شركة تونسية تصدر زيت الزيتون تحصل على العملة الأجنبية.

شركة برمجيات تصدر خدماتها تحصل على العملة الأجنبية.

مكتب دراسات تونسي يعمل لحريف أجنبي يحصل على العملة الأجنبية.

فلماذا يصبح الصحفي أو المترجم أو المصمم أو المبرمج الذي يعمل لحريف أجنبي حالة تشريعية منفصلة فقط لأنه يعمل من منزله؟

المشكلة واحدة:

تونس تبيع خدمة إلى الخارج، والمقابل يأتي من الخارج.

وهذا في جوهره موضوع صرف ومدفوعات خارجية قبل أن يكون موضوعًا خاصًا بالـفريلانس.

وزارة المالية نفسها تقول إن الإصلاح يجب أن يكون شاملًا

المفارقة أن النقاش داخل لجنة المالية يسير في الاتجاه نفسه.

خلال جلسة 20 أفريل، أوضح ممثلو وزارة المالية أن إصلاح منظومة الصرف لا يمكن أن يكون مجرد تعديلات معزولة، وأنه يجب أن يأخذ بعين الاعتبار مختلف المعاملات المالية مع الخارج، والتوازنات الاقتصادية، ووضعية الدينار والاحتياطي من العملة الأجنبية.

كما شددوا على أن التحرير يجب أن يكون تدريجيًا ومدروسًا، وأن أي إصلاح يجب أن ينسجم مع بقية المنظومة القانونية ومع قواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

إذن، حتى من وجهة نظر السلطة التنفيذية، الموضوع أكبر بكثير من فئة العاملين المستقلين.

وماذا عن حسابات العملة الأجنبية؟

هنا تظهر نقطة أخرى تجعل الفصل بين القانونين أكثر صعوبة.

فقد سبق للبرلمان أن تحرك في اتجاه تمكين التونسيين المقيمين من فتح حسابات بالعملة الأجنبية، وهو توجه يرتبط مباشرة بمشكلة العاملين مع الخارج.

كما أن وزارة التعليم العالي كانت قد أعلنت منذ سنوات أن مراجعة مجلة الصرف تتضمن توجهًا لتمكين العاملين في المجال الحر من فتح أرصدة بالعملة الصعبة وتحويل مبالغ الخدمات التي يسدونها بالخارج.

أي أن فكرة إدماج الـفريلانس في منظومة العملة الأجنبية ليست وليدة مقترح القانون الجديد.

كانت موجودة أصلًا داخل تصور إصلاح مجلة الصرف.

لماذا إذن قانون خاص؟

هنا يجب توجيه السؤال إلى أصحاب المبادرة.

هل يراد من مقترح القانون عدد 36/2026 أن يكون قانونًا انتقاليًا إلى حين صدور مجلة الصرف؟

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا ينص بوضوح على علاقته بمجلة الصرف؟

هل سيُدمج لاحقًا داخل المجلة؟

هل ستعلو أحكامه على الأحكام العامة لمجلة الصرف؟

ماذا سيحدث إذا تعارضت أحكامه مع النص الجديد؟

ومن سيتولى تنظيم العلاقة بين البنك المركزي والبنوك ومنصات الدفع الإلكترونية والـFreelancers؟

هذه ليست أسئلة تقنية.

إنها أسئلة تحدد ما إذا كان القانون سيحل المشكلة فعلًا أم سيخلق طبقة جديدة من التشريعات.

الخطر: أن تصبح تونس أمام قانونين لنفس المشكلة

لدينا اليوم نص خاص بالعمل المستقل يريد تنظيم العلاقة مع منصات الدفع الأجنبية.

ولدينا في المقابل مقترح مجلة صرف يريد إعادة تنظيم العلاقة المالية بين تونس والخارج.

والاثنان يلامسان النقطة نفسها:

العملة الأجنبية، الحسابات، التحويلات، الدفع الإلكتروني، والخدمات العابرة للحدود.

بل إن لجنة المالية نفسها اعترفت بوجود مشكلة تعدد النصوص القانونية المرتبطة بالصرف والتجارة الخارجية، وشددت على ضرورة تحقيق الانسجام والتكامل بينها.

فهل يكون الحل في إضافة نص ثالث؟

أم في إنهاء التناقضات أولًا داخل النص الأم؟

وماذا عن باي بال تحديدًا؟

هنا ينبغي التفريق بين أمرين.

الأول: ما تستطيع تونس أن تفعله.

تونس تستطيع تغيير قانون الصرف، وتبسيط إجراءات التحويل، وتنظيم الحسابات بالعملة الأجنبية، ووضع إطار قانوني واضح للمدفوعات الرقمية، وضمان الامتثال لقواعد مكافحة غسل الأموال.

الثاني: ما تستطيع باي بال أن تقرره.

البرلمان التونسي لا يستطيع إلزام شركة دفع دولية خاصة بفتح خدمة معينة في السوق التونسية.

لذلك، إذا كان الهدف النهائي هو تمكين التونسي من استعمال PayPal أو أي منصة دولية أخرى لاستقبال دخله، فإن الطريق الأكثر منطقية يبدأ بإزالة العوائق القانونية والتنظيمية المحلية.

بعد ذلك يمكن التفاوض مع الشركات الدولية على أساس منظومة واضحة.

لا يمكن بناء قانون كامل على افتراض أن PayPal ستفتح أبوابها بمجرد صدوره.

ماذا كان يمكن أن يفعل النواب؟

كان يمكن أن يكون مقترح العمل المستقل أكثر قوة لو أنه تعامل مع مجلة الصرف باعتبارها القاعدة الأم.

بمعنى أن ينص على أن العامل المستقل الذي يقدم خدمات إلى الخارج يتمتع بحقوق صرف واضحة، ثم يحيل التفاصيل إلى مجلة الصرف الجديدة.

وكان يمكن للنواب أن يطالبوا، داخل لجنة المالية، بإضافة باب واضح إلى مجلة الصرف يتعلق بـ:

  • مداخيل الخدمات الرقمية العابرة للحدود.
  • حسابات العملة الأجنبية للمقيمين الذين يصدرون خدمات.
  • استقبال المدفوعات من المنصات الدولية.
  • الاحتفاظ بجزء من المداخيل بالعملة الأجنبية.
  • استعمال هذه الأموال لتسديد المصاريف المهنية في الخارج.
  • تبسيط التصريح الجبائي والصرفي.
  • وضع سقوف معقولة لا تخنق النشاط.
  • رقابة لاحقة بدل الترخيص المسبق كلما كان ذلك ممكنًا.
  • تحديد واضح لدور البنك المركزي والبنوك التجارية ومنصات الدفع.

وهذه في الحقيقة هي الروح التي ظهرت في جلسات الاستماع إلى مشروع مجلة الصرف.

فممثلو كنفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية دعوا في 1 جوان إلى الانتقال من منطق الترخيص المسبق والقيود الإدارية إلى الحرية الاقتصادية المؤطرة بالرقابة اللاحقة، كما شددوا على ضرورة استيعاب الاقتصاد الرقمي والخدمات العابرة للحدود والتكنولوجيا المالية.

الدولة لا تحتاج إلى قانون يطارد الـفريلانس

المطلوب ليس وضع عشرات الشروط حول العامل المستقل.

المطلوب هو بناء منظومة تجعل العامل المستقل يفضل القانون على الالتفاف عليه.

إذا كان بإمكانه استقبال 1000 يورو بسهولة، والاحتفاظ بجزء منها في حساب عملة، ودفع اشتراك برنامجه المهني من الحساب نفسه، والتصريح بدخله إلكترونيًا ودفع الضريبة المستوجبة، فإن الحافز إلى البحث عن حلول موازية ينخفض.

أما إذا دخل المال إلى تونس ثم وجد صاحبه نفسه أمام سلسلة من القيود والعمولات والتحويلات الإجبارية، فسيبقى الاقتصاد الموازي أكثر جاذبية.

وهنا لا يتعلق الأمر بالفريلانس وحده.

إنه سؤال عن نموذج الاقتصاد التونسي نفسه.

العربة أمام الحصان

لذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يطرح على النواب أصحاب مقترح القانون عدد 36/2026 ليس: لماذا تريدون تنظيم العمل المستقل؟

بل:

لماذا لم تنتظروا إصلاح مجلة الصرف، أو لماذا لم تدمجوا أحكامكم المتعلقة بالعملة والمدفوعات داخلها؟

فمجلة الصرف هي التي تحدد القاعدة العامة للعلاقة المالية بين المقيم التونسي والعالم.

أما قانون الـFreelance فهو قانون قطاعي.

ولا يمكن للقانون القطاعي أن يحل مشكلة مصدرها الأساسي قانون الصرف.

الترتيب الطبيعي كان ينبغي أن يكون:

أولًا: إصلاح مجلة الصرف.

ثم:

ثانيًا: تنظيم الوضع المهني والجبائي للعامل المستقل.

ثم:

ثالثًا: التفاوض مع منصات الدفع العالمية على أساس منظومة قانونية ومصرفية واضحة.

أما البدء بالقانون الثالث قبل حسم القانون الأول، فذلك هو بالضبط ما يجعل العربة أمام الحصان.

والأكثر إثارة أن البرلمان يعرف ذلك.

ففي جلسة 20 أفريل، عندما ناقش النواب مجلة الصرف مع وزارة المالية، كانت باي بال نفسها حاضرة في النقاش بوصفها مثالًا على مشكلة المدفوعات الإلكترونية الدولية.

وبعدها بأيام، جرى داخل اللجنة نفسها التأكيد على ضرورة أن تستوعب مجلة الصرف الجديدة منصات الدفع الدولية والمعاملات الرقمية العابرة للحدود.

لذلك، ربما لم تعد القضية اليوم: هل نعترف بالـفريلانس؟

بل أصبحت:

لماذا لا نصلح أولًا القانون الذي يمنع كل التونسيين، وليس الـفريلانس فقط، من بناء علاقة مالية طبيعية مع العالم؟

فإذا نجحت تونس في إصلاح مجلة الصرف، فقد لا تحتاج أصلًا إلى عشرات القوانين الخاصة بكل فئة جديدة من العاملين مع الخارج.

أما إذا بقيت مجلة الصرف على حالها، فإن كل قانون جديد سيحتاج بعد سنوات إلى قانون آخر لإصلاح ما لم يستطع إصلاحه.

وهكذا نواصل تشريع الاستثناء بدل إصلاح القاعدة.