الرئيسية آخر الأخبار الواشنطن بوست تطرح أخطر الأسئلة :هل السرطان مرض وراثي

الواشنطن بوست تطرح أخطر الأسئلة :هل السرطان مرض وراثي

0
1
blank

يثير تشخيص أحد أفراد الأسرة بالسرطان، أو تكرار الإصابة بالمرض داخل العائلة، تساؤلات متزايدة حول مدى تأثير العامل الوراثي في زيادة احتمالات الإصابة. ويعتقد كثيرون أن وجود أكثر من حالة سرطان بين الأقارب يعني أن المرض سينتقل حتما إلى الأبناء أو الإخوة، غير أن الأطباء يؤكدون أن الصورة أكثر تعقيدا، وأن التاريخ العائلي يمثل أحد عوامل الخطر، لكنه لا يعني بالضرورة أن الإصابة أصبحت أمرا محتوما.

وفي مقال نشرته صحيفة « واشنطن بوست »، أوضح اختصاصي أمراض الدم والأورام ميكائيل سيكيريس أن غالبية حالات السرطان لا ترتبط بالوراثة، بل تنجم عن تفاعل معقد بين العوامل البيئية ونمط الحياة والتقدم في العمر، بينما تمثل الطفرات الجينية الموروثة نسبة محدودة من إجمالي الإصابات.

ويشير الطبيب إلى أن نحو 90 في المائة من حالات السرطان لا تعود إلى جينات وراثية موروثة، وإنما تحدث بصورة عشوائية أو نتيجة عوامل مثل التدخين، والسمنة، والخمول البدني، والإفراط في تناول الكحول، وسوء التغذية، والتعرض لبعض الملوثات البيئية، وهو ما يجعل الوقاية من خلال تبني نمط حياة صحي عاملا مؤثرا في خفض احتمالات الإصابة.

ويضيف أن الدراسات تشير إلى أن نحو 40 في المائة من أنواع السرطان يمكن الوقاية منها إذا التزم الأشخاص بعادات صحية تشمل الامتناع عن التدخين، وممارسة النشاط البدني بانتظام، والمحافظة على وزن صحي، والحد من استهلاك الكحول، واتباع نظام غذائي متوازن.

ورغم ذلك، يؤكد سيكيريس أن وجود تاريخ عائلي للمرض لا ينبغي تجاهله، لأن بعض أنواع السرطان ترتبط بطفرات جينية موروثة تزيد بشكل واضح من خطر الإصابة، حتى وإن لم تجعل المرض حتميا.

متى يشير التاريخ العائلي إلى عامل وراثي؟

يوضح اختصاصي الأورام أن هناك مؤشرات تدفع الأطباء إلى الاشتباه في وجود طفرة جينية موروثة داخل العائلة، من بينها إصابة أكثر من شخص من الجهة نفسها من الأسرة بالنوع نفسه من السرطان، أو ظهور المرض في سن مبكرة، خاصة قبل سن الخمسين، أو إصابة شخص واحد بأكثر من نوع من السرطان خلال حياته.

كما تشمل المؤشرات إصابة الرجال بسرطان الثدي، أو تشخيص سرطان البروستاتا في مراحل متقدمة، أو ظهور سرطانات المبيض والبنكرياس والقولون وبطانة الرحم لدى عدة أفراد من العائلة.

ويشير الطبيب إلى أن هذه الحالات تستدعي التفكير في إجراء فحوص جينية متخصصة، لأنها قد تكشف وجود طفرات وراثية تسمح بتقدير مستوى الخطر واتخاذ إجراءات وقائية مبكرة.

ومن أشهر هذه الطفرات، الجينان المرتبطان بزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي والمبيض، اللذان يرتبطان أيضا بارتفاع خطر الإصابة بسرطان البروستاتا وبعض السرطانات الأخرى، كما توجد طفرات مرتبطة بمتلازمة وراثية تزيد احتمالات الإصابة بسرطان القولون والمستقيم والمعدة وبطانة الرحم والمبيض.

ويضيف سيكيريس أن هناك طفرة وراثية أخرى مهمة ترتبط بمتلازمة وراثية نادرة ترفع احتمالات الإصابة بعدد كبير من الأورام، من بينها سرطان الثدي والعظام والدماغ والغدد الكظرية وسرطان الدم.

التاريخ العائلي لا يعني الإصابة الحتمية

يشدد الطبيب على أن حمل طفرة وراثية لا يعني أن الشخص سيصاب بالسرطان بصورة مؤكدة، وإنما يعني فقط أن خطر الإصابة يصبح أعلى مقارنة بغيره.

ويضرب مثالا بالنساء الحاملات للطفرتين الوراثيتين المرتبطتين بسرطان الثدي، موضحا أن احتمال إصابة المرأة بسرطان الثدي خلال حياتها يبلغ في عموم السكان نحو 13 في المائة، بينما يرتفع إلى ما بين 55 و72 في المائة لدى حاملات إحدى الطفرتين، وإلى ما بين 45 و69 في المائة لدى حاملات الطفرة الأخرى.

ويرى أن هذه الأرقام تؤكد أن الطفرات الوراثية تزيد الخطر بصورة كبيرة، لكنها لا تجعل الإصابة مؤكدة، لأن تطور السرطان يعتمد أيضا على طفرات أخرى تطرأ مع التقدم في العمر، إضافة إلى تأثير البيئة ونمط الحياة.

ويستشهد سيكيريس بأبحاث شارك فيها حول توأمين متماثلين أصيبا بنوع من سرطان الدم في أواخر الستينيات من العمر، إذ تبين أنهما يحملان طفرة وراثية واحدة، غير أن المرض لم يظهر إلا بعد عقود، ما يشير إلى أن الطفرة وحدها لم تكن كافية لحدوث السرطان.

عندما يرفع التاريخ العائلي مستوى الخطر

حتى في غياب طفرة وراثية معروفة، يؤكد الطبيب أن وجود تاريخ عائلي للإصابة بالسرطان يظل عاملا يستحق الاهتمام.

ويشير إلى أن الأشخاص الذين لديهم قريب من الدرجة الأولى، كالأب أو الأم أو الأخ أو الأخت أو الابن، مصاب بنوع معين من السرطان، قد يكون خطر إصابتهم بالنوع نفسه أعلى بمرتين إلى خمس مرات مقارنة بمن لا يملكون هذا التاريخ.

ويرى أن هذه الزيادة قد تعود إلى عوامل وراثية لم تكتشف بعد، أو إلى تشابه أنماط الحياة داخل الأسرة، مثل التدخين أو العادات الغذائية أو التعرض للعوامل البيئية نفسها، أو حتى إلى خصائص جسدية مشتركة تجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة للإصابة.

ويضرب الكاتب مثالا من تجربته الشخصية، إذ يوضح أن والدته أصيبت بسرطان الرئة، بينما أصيب شقيقها ووالدتها بسرطان الدم، كما أصيب والد والده بسرطان البروستاتا، وأصيبت جدته بسرطان المبيض.

ورغم هذا التاريخ العائلي، كشفت الفحوص الجينية التي أجرتها والدته عدم وجود أي طفرة وراثية معروفة مرتبطة بالسرطان، ما يعني أن الحالات التي ظهرت داخل العائلة كانت على الأرجح مستقلة وليست نتيجة سبب وراثي واحد.

كيف يمكن خفض خطر الإصابة؟

يرى سيكيريس أن معرفة وجود طفرة وراثية أو تاريخ عائلي لا ينبغي أن تقود إلى الاستسلام، بل إلى اتخاذ خطوات وقائية مدروسة.

ويوضح أن النساء الحاملات للطفرتين الوراثيتين المرتبطتين بسرطان الثدي والمبيض يمكن أن يخضعن لفحوص تصوير الثدي سنويا ابتداء من سن الخامسة والعشرين، كما يمكن التفكير في عمليات جراحية وقائية، مثل استئصال الثدي أو المبيض في بعض الحالات التي يكون فيها خطر الإصابة مرتفعا جدا.

ويشير إلى أن هذه الاستراتيجية اكتسبت شهرة عالمية بعد إعلان الممثلة الأمريكية أنجلينا جولي خضوعها لعملية استئصال وقائي بعدما اكتشفت حملها إحدى هذه الطفرات الوراثية، وهو القرار الذي شجع آلاف النساء على إجراء الفحوص الجينية.

كما يوضح أن بعض الأدوية قد تساعد في الوقاية، إذ تشير الدراسات إلى أن استخدام حبوب منع الحمل يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض لدى النساء الحاملات لهذه الطفرات بنسبة تراوح بين 44 و61 في المائة.

أما بالنسبة إلى المصابين بالمتلازمة الوراثية المرتبطة بسرطان القولون، فيوصي الأطباء ببدء تنظير القولون في سن مبكرة، قد تكون في العشرينات، أو قبل خمس سنوات من أصغر عمر شُخِّصت فيه الإصابة داخل العائلة، مع تكرار الفحص كل عام أو عامين، بما يسمح باكتشاف الأورام في مراحلها الأولى وإزالتها قبل أن تتطور.

ويضيف أن بعض الدراسات أظهرت أيضا أن تناول الأسبرين يوميا، وفق إشراف طبي، قد يقلل خطر الإصابة بسرطان القولون لدى هذه الفئة بنسبة تصل إلى 60 في المائة.

ويخلص سيكيريس إلى أن الوراثة ليست العامل الوحيد الذي يحدد مصير الإنسان مع السرطان، مؤكدا أن الجينات تمنح قابلية معينة للإصابة، لكن نمط الحياة والفحوص الدورية والكشف المبكر تظل عناصر قادرة على تقليل الخطر وتحسين فرص الوقاية والعلاج، حتى لدى الأشخاص الذين يحملون تاريخا عائليا مثقلا بالإصابات.