تشهد تونس خلال الساعات القادمة تغيراً لافتاً في وضعها الجوي، مع اقتراب موجة من الاضطرابات الرعدية التي قد تكون محلية وشديدة، خصوصاً في مناطق الشمال الغربي والوسط الغربي. وتأتي هذه التطورات بعد أسابيع اتسمت بارتفاعات حرارية استثنائية، ما يجعل الانتقال السريع من أجواء شديدة الحرارة إلى خلايا رعدية عنيفة عاملاً يستوجب اليقظة، ولا سيما في المناطق المنخفضة ومجاري الأودية.
وتفيد المعطيات التي نشرتها مصادر متخصصة في متابعة الطقس بأن التدهور التدريجي في حالة الطقس يبدأ من مساء اليوم الجمعة 14 أوت، على أن تتصاعد التقلبات خلال يوم السبت، مع إمكانية تسجيل كميات أمطار مهمة في وقت وجيز قد تصل محلياً إلى 40 مليمتراً في نصف ساعة.
ولا تعني هذه الأرقام أن كامل المناطق المعنية ستشهد بالضرورة هذه الكميات، إذ إن طبيعة العواصف الرعدية تجعل التساقطات شديدة التفاوت مكانياً؛ فقد تتلقى منطقة عشرات المليمترات خلال فترة قصيرة، بينما لا تسجل منطقة مجاورة إلا كميات محدودة.
من القصرين إلى الكاف وسليانة وسيدي بوزيد
وتتركز المخاطر أساساً على عدد من مناطق الشمال الغربي والوسط الغربي، ومن بينها القصرين والكاف وسليانة وسيدي بوزيد، حيث يمكن للخلايا الرعدية أن تتطور بسرعة وتنتج أمطاراً غزيرة، إلى جانب إمكانية تساقط البرد وهبوب رياح قوية ومفاجئة.
وتكتسب هذه المناطق خصوصية إضافية بسبب طبيعتها الجغرافية، إذ يمكن للأمطار الغزيرة المركزة في فترة زمنية قصيرة أن تتسبب في ارتفاع سريع لمنسوب المياه داخل الأودية والمنخفضات، حتى في حال لم تكن كميات الأمطار المسجلة على مستوى الولاية بأكملها استثنائية.
وهنا تكمن خطورة ما يسمى بالسيول الفجائية: فالخطر لا يرتبط فقط بمجموع الأمطار خلال 24 ساعة، وإنما بسرعة نزولها ومكان تركزها.
40 مليمتراً في نصف ساعة.. لماذا الرقم مهم؟
قد يبدو رقم 40 مليمتراً صغيراً مقارنة بكميات الأمطار التي تسجلها بعض المناطق خلال أيام كاملة، لكن الأمر مختلف تماماً عندما تسقط الكمية نفسها خلال نحو نصف ساعة.
فعندما تكون التربة غير قادرة على امتصاص المياه بالسرعة المطلوبة، تبدأ المياه في الجريان فوق سطح الأرض، وتتجمع بسرعة في المناطق المنخفضة والطرقات والمنحدرات ومجاري الأودية.
وفي المناطق الحضرية، يمكن أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع سريع للمياه في النقاط التي تعاني أصلاً من ضعف تصريف مياه الأمطار، بينما يصبح الخطر أكبر بالقرب من الأودية والمنشآت المائية والطرقات التي تقطع مجاري المياه الطبيعية.
لذلك فإن كمية الأمطار وحدها لا تكفي لتحديد مستوى الخطر؛ فالتوزيع المكاني وشدة الهطول خلال دقائق قليلة وطبيعة التضاريس عوامل حاسمة.
البرد والرياح.. الخطر لا يقتصر على الأمطار
الخلايا الرعدية القوية لا تحمل الأمطار فقط. فمن الممكن أن ترافقها صواعق وتساقط للبرد وهبات رياح قوية، وهي ظواهر قد تظهر بصورة مفاجئة وفي مناطق محدودة للغاية.
وقد شهدت تونس خلال فترات سابقة من هذا العام تسجيل البرد بالتزامن مع الاضطرابات الرعدية في مناطق من القصرين والقيروان وسوسة والمنستير وغيرها، وهو ما يؤكد الطبيعة المتقلبة للعواصف الصيفية.
كما أن الرياح المرتبطة بالخلايا الرعدية قد تختلف بشكل كبير عن الرياح العامة المسجلة في المنطقة، إذ يمكن أن تهب في شكل هبات قوية ومفاجئة عند مرور الخلية.
من حرارة قياسية إلى أمطار عنيفة
هذا التغير يأتي في سياق مناخي استثنائي بالنسبة إلى تونس خلال صيف 2026. فقد أعلن المعهد الوطني للرصد الجوي أن جويلية 2026 كان استثنائياً من حيث الحرارة على المستوى الوطني، إذ بلغت درجة الحرارة المتوسطة وطنياً 31.7 درجة مئوية، أي بزيادة قدرها 3.4 درجات مقارنة بالمعدل المرجعي.
وهذه الصورة المناخية مهمة لفهم المشهد الحالي، لكنها لا تعني أن موجة الحرارة هي التي « تسبب » وحدها العواصف الرعدية. فالأمطار الرعدية تحتاج إلى توافر مجموعة من العوامل الجوية، من بينها الرطوبة وعدم الاستقرار الجوي وآليات الرفع التي تسمح بتطور السحب الركامية.
وبعبارة أخرى، الانتقال من الحر الشديد إلى العواصف لا يعني أن تونس انتقلت فجأة إلى فصل ممطر، وإنما نحن أمام اضطرابات محلية قد تكون عنيفة رغم بقاء الطابع الصيفي العام للطقس.
لماذا يجب الحذر من الأودية؟
الخطر الأكبر في مثل هذه الحالات قد لا يكون داخل المدن نفسها، وإنما في المناطق القريبة من الأودية ومجاري المياه والمنخفضات.
فالسيول الفجائية يمكن أن تتشكل في وقت قصير جداً، كما أن المياه قد تأتي من مناطق مرتفعة بعيدة عن الموقع الذي يشهد تساقط الأمطار مباشرة.
ولهذا فإن وجود طقس مستقر أو حتى غياب المطر في موقع معين لا يعني بالضرورة أن مجرى واد قريب آمن؛ إذ يمكن أن تكون الأمطار الغزيرة قد سقطت في منطقة أعلى منه وتسببت في ارتفاع منسوب المياه لاحقاً.
لا مجال للاستهانة بالعواصف الصيفية
وتكمن إحدى المشكلات الرئيسية في العواصف الرعدية الصيفية في صعوبة تحديد موقعها بدقة قبل تشكلها النهائي. فقد تتحرك الخلايا بسرعة أو تتطور خلال فترة قصيرة، كما يمكن أن تكون الفوارق بين منطقتين متجاورتين كبيرة جداً.
لذلك لا ينبغي التعامل مع رقم الـ40 مليمتراً باعتباره كمية ستسجل بالتساوي في كامل القصرين أو الكاف أو سليانة أو سيدي بوزيد، وإنما باعتباره تقديراً لأقصى كميات محتملة محلياً ضمن مناطق محددة.
وهذا التفصيل مهم حتى لا تتحول التحذيرات الجوية إلى حالة من الهلع، وفي الوقت نفسه حتى لا يؤدي اختلاف التوقعات من منطقة إلى أخرى إلى التقليل من خطورة الظاهرة.
ماذا يعني ذلك للمواطنين؟
في المناطق التي قد تشهد الخلايا الرعدية، ينصح بتوخي الحذر، خصوصاً خلال فترات اشتداد العواصف. ويُستحسن:
- تجنب عبور الأودية ومجاري المياه أثناء الأمطار الغزيرة.
- عدم المجازفة بالسيارات في الطرقات التي بدأت المياه تتجمع فيها.
- الابتعاد عن الأعمدة الكهربائية والأشجار والأجسام القابلة للسقوط أثناء هبوب الرياح القوية.
- متابعة النشرات الرسمية والتحديثات المحلية بدلاً من الاعتماد على توقع واحد منشور على مواقع التواصل الاجتماعي.
- أخذ الحيطة عند التنقل بين المناطق الغربية والشمال الغربي خلال فترات نشاط العواصف.
- عدم الاقتراب من مجاري الأودية لمعاينة السيول أو تصويرها، لأن ارتفاع المياه قد يكون مفاجئاً وسريعاً.
إنذار يستوجب اليقظة لا الهلع
المعطيات الحالية تشير إلى اضطراب جوي يستوجب المتابعة واليقظة، وليس إلى كارثة مؤكدة أو أمطار واسعة ستضرب كامل البلاد.
والفارق مهم: الخطر الأكبر يتمثل في الخلايا الرعدية شديدة التركيز التي يمكن أن تنتج أمطاراً غزيرة جداً في مساحة محدودة وخلال فترة زمنية قصيرة. ولذلك قد تكون منطقة ما تحت تأثير عاصفة قوية، بينما تبقى مناطق قريبة منها دون أمطار تذكر.
كما أن المعهد الوطني للرصد الجوي يخصص على موقعه قسماً لمتابعة الظواهر الجوية الخطرة والتنبيهات الخاصة بها، ما يجعل النشرات الرسمية المرجع الأهم عند تطور الوضع.
الخلاصة: الساعات القادمة تستوجب الحذر، خصوصاً في الشمال الغربي والوسط الغربي، مع ارتفاع المخاطر خلال السبت. والأهم ليس فقط كمية المطر المتوقعة، بل السرعة التي يمكن أن تهطل بها هذه الكميات ومكان تركزها.
وفي بلد عانى خلال الأسابيع الماضية من حرارة استثنائية وضغط كبير على شبكات المياه والطاقة، فإن ظهور عواصف صيفية عنيفة يضيف تحدياً جديداً: من الجفاف والحر الشديد إلى خطر السيول في فترة زمنية قصيرة جداً.



