الرئيسية آخر الأخبار تقرير إيطالي يحذر من أزمة المياه في تونس: الطوارئ المائية تتحول إلى...

تقرير إيطالي يحذر من أزمة المياه في تونس: الطوارئ المائية تتحول إلى قضية أمن قومي

0
1
blank

حذّر تقرير إيطالي حديث من تصاعد أزمة المياه في تونس، معتبرًا أن البلاد تواجه ضغوطًا مائية متزايدة تهدد قطاعات حيوية، في مقدمتها الزراعة والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي، في ظل اشتداد تأثيرات التغيرات المناخية وارتفاع الطلب على الموارد المائية.

ونشر موقع إيطاليا ريبورت يو إس إيه، يوم 20 أوت 2026، تقريرًا بعنوان «تونس في مواجهة الطوارئ العالمية للمياه»، بقلم الكاتب دومينيكو ليتسيا، سلط فيه الضوء على الوضع المائي في تونس وما وصفه بتفاقم الضغوط التي تواجه منظومة التزويد بالمياه.

وبحسب التقرير، فإن سنوات الجفاف وتراجع التساقطات المطرية وارتفاع درجات الحرارة في منطقة البحر الأبيض المتوسط وضعت الموارد المائية التونسية أمام تحديات متزايدة، في وقت أصبحت فيه المياه عنصرًا أساسيًا في معادلة الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي.

وأشار التقرير إلى تحذيرات ومطالب صادرة عن هياكل فلاحية ونقابية، بينها الجامعة التونسية للفلاحة والصيد البحري، بشأن خطورة الوضع، وإلى الدعوات المطالبة بإعلان حالة طوارئ مائية لحماية الإنتاج الزراعي والسيادة الغذائية للبلاد.

ضغط متزايد على الموارد المائية

وذهب التقرير الإيطالي إلى أن تراجع الموارد المائية انعكس بصورة مباشرة على السدود والمنشآت المائية، معتبرًا أن بعض الأحواض المائية في الشمال، التي تمثل مصدرًا رئيسيًا للمياه وتتركز فيها أهم المناطق الزراعية، تواجه ضغوطًا متزايدة.

غير أن هذه النقطة تستوجب قراءة الأرقام وفق تاريخها الزمني. فقد شهدت تونس خلال سنة 2026 تحسنًا مهمًا في مخزون السدود عقب كميات الأمطار المسجلة خلال الشتاء والربيع، إذ بلغت نسبة امتلاء السدود نحو 67 بالمائة في أفريل الماضي، وفق معطيات نقلتها وسائل إعلام تونسية عن الخبير في الشأن المائي عبد الله الرابحي. كما أشارت معطيات أخرى إلى تحسن كبير في وضع سد سيدي سالم مقارنة بالسنوات السابقة.

وفي المقابل، فإن تحسن مخزون السدود لا يعني انتهاء أزمة المياه. فقد أكد المرصد التونسي للمياه أن البلاد دخلت خلال شهر جويلية الماضي مرحلة وصفها بـ«الحرجة من الطوارئ المائية»، بعد تسجيل 608 تبليغات مرتبطة باضطرابات التزود بالمياه، بينها 549 تبليغًا يتعلق بانقطاعات غير معلنة واضطرابات في توزيع مياه الشرب.

أزمة تتجاوز السدود

وتكشف هذه المعطيات أن المشكلة المائية في تونس لا تختزل في كمية المياه المخزنة داخل السدود، وإنما ترتبط أيضًا بقدرة منظومة التوزيع على تأمين المياه للمواطنين خلال فترات ارتفاع الطلب.

وفي هذا السياق، أشار التقرير الإيطالي إلى قدم شبكات توزيع المياه، وما يترتب عنها من تسربات وخسائر في كميات مهمة من المياه، معتبرًا أن معالجة الأزمة تتطلب الانتقال من الإجراءات الظرفية إلى إصلاحات طويلة المدى.

وتزداد أهمية هذه المسألة خلال فصل الصيف، عندما يرتفع استهلاك المياه بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يجعل أي خلل في الشبكات أو المنشآت أكثر تأثيرًا على المواطنين والمناطق الزراعية.

الزراعة في قلب الأزمة

ويرى التقرير أن القطاع الزراعي سيكون من أكثر القطاعات تأثرًا باستمرار الضغوط المائية، خصوصًا في ما يتعلق بالحبوب والزيتون والحمضيات.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، حيث لا تمثل المياه موردًا للشرب فقط، بل ترتبط مباشرة بالإنتاج الزراعي والأمن الغذائي ومداخيل آلاف العائلات، إضافة إلى أهمية المنتجات الزراعية في الصادرات التونسية.

فكل تراجع في الموارد المتاحة للري يفرض ضغوطًا إضافية على الفلاحين، ويرفع مخاطر تراجع الإنتاج أو ارتفاع كلفة الإنتاج، وهو ما يمكن أن ينعكس في النهاية على الأسعار وعلى فاتورة التوريد الغذائي.

التحلية وإعادة استعمال المياه

ويدعو التقرير الإيطالي إلى تسريع الاستثمار في تحلية مياه البحر، وتوسيع استعمال المياه المعالجة في القطاع الزراعي، إلى جانب تطوير تقنيات أكثر كفاءة للحد من ضياع المياه والتبخر.

وتنسجم هذه التوصيات مع الاتجاه المتزايد في تونس نحو تنويع مصادر المياه وعدم الاعتماد على السدود والمياه السطحية وحدها، خصوصًا في ظل التغيرات المناخية التي تجعل معدلات الأمطار أكثر تذبذبًا.

وتبقى تحلية مياه البحر أحد الخيارات الاستراتيجية بالنسبة إلى تونس، لا سيما في المناطق الساحلية التي تواجه طلبًا متزايدًا على مياه الشرب، بينما يمكن لإعادة استعمال المياه المعالجة أن توفر موردًا إضافيًا للقطاع الزراعي وتخفف الضغط عن المياه التقليدية.

تحسن المخزون لا يلغي الخطر

وتكشف قراءة المعطيات التونسية الحديثة أن الصورة أكثر تعقيدًا من سيناريو الانهيار المائي الذي يوحي به التقرير الإيطالي.

فمن جهة، تحسنت كميات المياه المخزنة في السدود خلال 2026 بشكل واضح مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما شكل متنفسًا مهمًا للبلاد بعد سنوات من الجفاف. ومن جهة أخرى، فإن اضطرابات التزويد بالمياه التي سجلها المرصد التونسي للمياه خلال جويلية تؤكد أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بحجم المخزون، بل أيضًا بقدرة منظومة التوزيع والبنية التحتية على الاستجابة للطلب المتزايد.

وهكذا تبدو تونس أمام معادلة دقيقة: الأمطار يمكن أن تمنح البلاد فترة من الراحة، لكنها لا تلغي الخلل الهيكلي في منظومة المياه.

فالمطلوب لا يقتصر على انتظار موسم ممطر جديد، وإنما يتطلب سياسة مائية طويلة المدى تقوم على تقليص ضياع المياه، وتجديد الشبكات، وتطوير التحلية، وتوسيع إعادة استعمال المياه المعالجة، وتحسين إدارة الموارد المائية وتوجيهها نحو القطاعات الأكثر أهمية.

المياه تتحول إلى قضية أمن قومي

وفي ظل استمرار التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة وتزايد الطلب على المياه، تتحول الموارد المائية تدريجيًا إلى واحدة من أهم قضايا الأمن القومي في تونس.

والتحدي الحقيقي أمام البلاد لن يكون فقط في كمية الأمطار التي ستتساقط خلال السنوات المقبلة، وإنما في قدرتها على إدارة كل قطرة ماء بكفاءة، وحماية الموارد الجوفية والسطحية، وتقليص الخسائر، وتوفير بدائل مستقرة لمياه الشرب والري.

ومن هذه الزاوية، يكتسب التقرير الإيطالي أهمية تتجاوز التحذير من أزمة ظرفية، لأنه يعيد طرح سؤال جوهري على تونس: هل تمتلك البلاد استراتيجية مائية قادرة على مواجهة السنوات القادمة، أم أن كل موسم جفاف سيعيد الأزمة إلى نقطة الصفر؟