في الوقت الذي ينشغل فيه كثير من المراهقين بالدراسة والحياة المدرسية، اختار التونسي يوسف بن ملوكة، البالغ من العمر 16 عاماً والمقيم في دبي، أن يخوض تجربة مختلفة تماماً، بعدما قرر إطلاق مبادرة لمساعدة الأطفال المصابين بأمراض القلب الخلقية في تونس.
القصة بدأت عندما كان يوسف في الخامسة عشرة من عمره، إثر حديث جمعه بأحد الأطباء وجعله يكتشف حجم الصعوبات التي يمكن أن تواجهها عائلات تونسية في الوصول إلى التشخيص المبكر والعلاج المتخصص لأمراض القلب الخلقية لدى الأطفال.
ومن هذه الفكرة ولدت مبادرة «أولدنا»، التي تحولت خلال أقل من عامين من مشروع شبابي إلى مبادرة صحية تعمل على مساعدة الأطفال وعائلاتهم في الوصول إلى الفحوصات والعلاج.
تمكنت المبادرة حتى الآن من جمع أكثر من 110 آلاف دولار، كما توفر نحو 50 فحصاً مجانياً للقلب شهرياً، وتساهم في تمويل ما بين عملية وعمليتين جراحيتين شهرياً للأطفال الذين يواجهون صعوبات في الحصول على العلاج.
وقال يوسف إنه عندما بدأ المبادرة كان يبلغ 15 عاماً، لكنه قرر ألا يجعل سنه سبباً لتأجيل الفكرة.
من فكرة شاب إلى شبكة من الأطباء والمستشفيات
لم يكن الطريق سهلاً بالنسبة إلى يوسف، إذ وجد في البداية صعوبة في إقناع الأطباء والمستشفيات بالتعامل مع مبادرة يقودها طالب لا يزال في المدرسة.
وبدلاً من الاكتفاء بعرض الفكرة، اختار إثبات جدواها من خلال النتائج، فعمل على إعداد محتوى توعوي حول أمراض القلب الخلقية وسعى إلى تمويل أول عملية جراحية.
ومع نجاح التجربة الأولى، بدأت المبادرة في كسب ثقة القطاع الصحي، ثم حصلت على دعم مجموعة مستشفيات الطوفيق، ما ساعدها على بناء علاقات مع أطباء ومستشفيات وجهات أخرى.
كما تعاونت «أولدنا» مع مستشفيات عمومية ومنظمات إنسانية، من بينها أطباء العالم، بهدف الوصول إلى العائلات التي يحتاج أطفالها إلى الرعاية.
وقال يوسف إن إحدى أهم القواعد التي تعلمها خلال تجربته هي أن تحقيق أثر حقيقي في المجال الصحي يحتاج إلى التعاون، لأن منظمة واحدة لا تستطيع القيام بكل شيء بمفردها.
التشخيص المبكر.. نقطة البداية
يركز المشروع بشكل خاص على الكشف المبكر عن أمراض القلب الخلقية لدى الأطفال، باعتبار أن أعراض هذه الأمراض ليست دائماً واضحة أو متشابهة.
ويقول يوسف إن بعض العائلات قد تعتبر الأعراض مؤشراً على مشكلة صحية بسيطة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تأخير استشارة الطبيب المختص.
وتعمل المبادرة على نشر المعلومات والتوعية عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب تنظيم أنشطة للكشف المبكر بالتعاون مع أطباء ومستشفيات.
كما ساهم أطباء وممرضون في أنشطة التوعية، في حين وفرت مستشفيات خاصة البنية اللازمة لبعض عمليات الكشف والعلاج.
تونسي في دبي.. ومبادرة تتجه إلى تونس
ورغم أن يوسف نشأ ويدرس في دبي، فإن تركيز مبادرته ينصب على الأطفال في تونس، التي يقول إنها بلده الأصلي.
ويرى أن نشأته في الإمارات ساعدته على التعرف إلى أشخاص من خلفيات وثقافات مختلفة، وعلى التفكير في إمكانية تحويل الأفكار الطموحة إلى مشاريع عملية.
كما ينسب جانباً من تجربته إلى مدرسته نورث لندن كوليجيت سكول دبي، التي يقول إنها عززت لديه قيم العناية بالآخرين والمسؤولية الاجتماعية.
وفي منشور سابق له، قال يوسف إن «أولدنا» تمكنت من مساعدة ثلاثة أطفال، وأعلنت عن شراكة رسمية مع مستشفى الرابطة، أحد أهم المستشفيات العمومية التونسية في مجال أمراض القلب الخلقية.
طموح يتجاوز تونس
يركز يوسف حالياً على تطوير المبادرة وضمان استمراريتها في تونس، لكنه يرى إمكانية توسيع التجربة مستقبلاً إلى دول عربية أخرى تواجه تحديات مشابهة في مجال التشخيص المبكر والوصول إلى العلاج المتخصص.
كما يأمل أن تشجع تجربته شباباً آخرين على إطلاق مبادرات مماثلة.
المبادرة التي بدأت بفكرة لدى تلميذ يبلغ في الخامسة عشرة من عمره أصبحت اليوم شبكة تضم أطباء ومستشفيات ومتطوعين وداعمين، فيما يواصل صاحبها، وهو في السادسة عشرة، محاولة تحويلها إلى مشروع مستدام لمساعدة الأطفال المصابين بأمراض القلب في تونس.
