الرئيسية آخر الأخبار حين أصبحت الهجرة أهم من الديمقراطية.. كيف أعادت أوروبا رسم علاقتها بتونس...

حين أصبحت الهجرة أهم من الديمقراطية.. كيف أعادت أوروبا رسم علاقتها بتونس والمغرب العربي؟

0
1
blank

كشفت أستاذة القانون جنان ليمام، في دراسة نشرها مركز الدراسات تْرِندز حول تطور العلاقات الأوروبية-المغاربية، أن الاتحاد الأوروبي شهد تحولا تدريجيا في مقاربته لدول جنوب المتوسط، حيث انتقل من سياسة تقوم أساسا على دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد إلى مقاربة أكثر براغماتية تركز على الاستقرار، ومراقبة الهجرة غير النظامية، وأمن الطاقة.

وأوضحت ليمام أن منطقة المغرب العربي تمثل مجالا جيوسياسيا حيويا بالنسبة للاتحاد الأوروبي، بالنظر إلى موقعها عند تقاطع المتوسط وأفريقيا والأطلسي، فضلا عن دورها في إمدادات الطاقة والتجارة الدولية وإدارة تدفقات الهجرة.

وأشارت إلى أن العلاقات الأوروبية مع دول المغرب العربي لم تكن في بدايتها قائمة فقط على المصالح الاقتصادية، بل تطورت منذ إطلاق الشراكة الأورو-متوسطية بموجب إعلان برشلونة سنة 1995 لتشمل ما يعرف بـ »المشروطية الأوروبية »، أي ربط الدعم المالي والتجاري والسياسي بدرجة احترام الدول الشريكة لمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون.

وأضافت أن الاتحاد الأوروبي اعتمد خلال عقود آلية « المشروطية » كأداة للتأثير في سياسات دول الجنوب، عبر ربط المساعدات والإمكانيات الاقتصادية بتحقيق إصلاحات سياسية ومؤسساتية، إلا أن التحولات الإقليمية والدولية دفعت إلى تغيير هذه المقاربة.

وحسب الدراسة، فإن أحداث ما بعد 2011، وتعثر مسارات الانتقال الديمقراطي في عدد من الدول، والأزمة الليبية، وتصاعد الهجرة غير النظامية، إضافة إلى الحرب الروسية-الأوكرانية وظهور منافسين دوليين مثل الصين وروسيا، دفعت الاتحاد الأوروبي إلى إعادة ترتيب أولوياته.

وأكدت ليمام أن « المشروطية السياسية والمعيارية » تراجعت عمليا لصالح « مشروطية وظيفية وأمنية »، أصبحت فيها قدرة دول المغرب العربي على ضمان الاستقرار، والحد من الهجرة غير النظامية، وتأمين المصالح الطاقية الأوروبية، عوامل أكثر تأثيرا في طبيعة العلاقات مع بروكسل.

تونس.. من نموذج الانتقال الديمقراطي إلى شريك في ملف الهجرة

وتطرقت الدراسة إلى الحالة التونسية باعتبارها المثال الأوضح لهذا التحول، حيث كانت تونس بعد سنة 2011 النموذج الذي راهن عليه الاتحاد الأوروبي في إطار سياسة « المزيد مقابل المزيد »، القائمة على منح دعم أكبر للدول التي تحقق تقدما في مجال الديمقراطية والإصلاحات المؤسساتية.

غير أن الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي شهدتها تونس، إلى جانب تصاعد أعداد المهاجرين غير النظاميين المنطلقين من السواحل التونسية نحو أوروبا، غيّرت طبيعة العلاقة، لتصبح الهجرة وإدارة الحدود والاستقرار من أبرز محاور التعاون.

وترى ليمام أن مذكرة التفاهم بين تونس والاتحاد الأوروبي سنة 2023 جسدت هذا التحول، إذ انتقلت الأولويات الأوروبية من دعم مسار الإصلاح الديمقراطي إلى تعزيز التعاون في ملفات الهجرة والأمن والطاقة والاستقرار الاقتصادي.

المغرب والجزائر وليبيا وموريتانيا.. شراكات تحكمها المصالح

وفي ما يتعلق بالمغرب، اعتبرت الدراسة أن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي تطورت من منطق التقارب المعياري إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل الأمن والطاقة والتحول الرقمي والاستثمار.

أما الجزائر، فقد أكدت ليمام أن أهمية الغاز والطاقة جعلت العلاقة مع الاتحاد الأوروبي تقوم بدرجة أكبر على المصالح الاستراتيجية المتبادلة، وهو ما حد من قدرة المشروطية السياسية الأوروبية على التأثير.

وبالنسبة إلى ليبيا، رأت الدراسة أنها تمثل الحالة الأكثر وضوحا في الانتقال من منطق الإصلاح مقابل الدعم إلى منطق إدارة الأزمات، بسبب ضعف مؤسسات الدولة والانقسام السياسي، حيث أصبحت الأولوية الأوروبية متمثلة في الاستقرار والأمن ومكافحة تهريب البشر.

كما أشارت إلى أن موريتانيا أصبحت شريكا متزايد الأهمية بالنسبة للاتحاد الأوروبي بسبب موقعها في إدارة مسارات الهجرة القادمة من غرب أفريقيا، إضافة إلى إمكانياتها في مجالات الغاز والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.

« ميثاق المتوسط ».. عنوان المرحلة الجديدة

وترى أستاذة القانون أن « ميثاق المتوسط » الذي أطلقه الاتحاد الأوروبي سنة 2025 يمثل تعبيرا عن التحول الجديد في السياسة الأوروبية تجاه الجنوب المتوسطي، إذ لم تعد الديمقراطية وحقوق الإنسان المحور الوحيد للعلاقة، بل أصبحت الشراكة تقوم على الأمن والطاقة والاستثمار والقدرة على مواجهة التحديات المشتركة.

وخلصت الدراسة إلى أن مستقبل العلاقات الأوروبية-المغاربية سيتوقف على قدرة الطرفين على بناء شراكة أكثر توازنا، تجمع بين متطلبات الاستقرار والأمن من جهة، واحترام التنمية والإصلاحات السياسية وحقوق الإنسان من جهة أخرى.