في الوقت الذي تتواتر فيه اللقاءات الدبلوماسية الرسمية تحت شعارات « الشراكة الاستراتيجية والتنمية المتكاملة في حوض المتوسط »، كشفت بيانات إيطالية رسمية وموثقة صدرت اليوم في روما، عن الوجه الآخر والأكثر قتامة لملف الهجرة، واضعة تونس في صدارة عمليات الترحيل القسري والإعادة الفعلية من الأراضي الإيطالية خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
التقرير الذي اطلعت عليه تونيزي تيليغراف حمل عنوان « الترحيل: تحليل لسياسة الإعادة الإيطالية »، وأعدته منظمة « أكشن إيد إيطاليا » بالتعاون مع قسم العلوم السياسية بجامعة باري، استند إلى آلية النفاذ إلى المعلومات والوثائق السرية لوزارة الداخلية الإيطالية. وجاءت الأرقام الصادمة لتؤكد أن المهاجرين من الجنسية التونسية يشكلون وحدهم حوالي نصف (50%) إجمالي المهاجرين الذين تم طردهم وإعادتهم قسرياً بشكل فعلي من إيطاليا بين سنتي 2022 و2024.
302 ألف قرار إبعاد.. والنتيجة 22% فقط!
يفكك التقرير الإحصائي الصادر اليوم حقيقة منظومة الإبعاد الإيطالية على امتداد عقد كامل (2015-2025)؛ حيث أصدرت السلطات الإيطالية ما يناهز 302 ألف قرار إبعاد. غير أن المفارقة الصادمة تكمن في أن ما نُفذ فعلياً بمختلف أنواع الترحيل (سواء الترحيل القسري، أو العودة الذاتية، أو العودة الطوعية بمساعدة) لم يتجاوز 66 ألف عملية ترحيل فقط. وتكشف هذه الأرقام عن عجز هيكلي فادح، حيث يعادل متوسط عمليات الترحيل الفعلية نحو 22 عملية فقط لكل 100 قرار إبعاد جرى اتخاذه خلال السنوات العشر محل الدراسة.
رهان روما على « الاتفاقيات الثنائية »
ويشير التقرير إلى أن مقاربة روما تظل مرتهنة كلياً لمدى مرونة واستقرار « اتفاقيات إعادة القبول الثنائية » الموقعة مع دول المنشأ. وفي حين تكاد تقترب نسب تنفيذ قرارات الترحيل من الصفر بالنسبة للمهاجرين القادمين من بؤر النزاع مثل سوريا، وأفغانستان، والعراق، فإن تونس وألبانيا تستأثران وحدهما بنحو 59% من إجمالي عمليات الترحيل الفعلي المنجزة في العقد الأخير. هذا التموقع يترجم حجم الضغوط المسلطة على الجانب التونسي للالتزام بقنوات الاتصال والأمن والتنسيق المستمر مع الجانب الإيطالي.
احتجاز طالبي اللجوء والفشل الهيكلي للمراكز
المفارقة الكبرى التي فككها التقرير اليوم تكمن في سقوط السردية الإيطالية الرسمية التي تدافع عن نجاعة « مراكز الإقامة المؤقتة والترحيل ». إذ تكشف لغة الأرقام أن كفاءة هذه المراكز الأمنية تراجعت بنسبة 45.1%؛ فمن أصل 4784 عملية ترحيل قسري نُفذت العام الماضي، تم إنجاز 1732 عملية فقط انطلاقاً من داخل مراكز الاحتجاز، مقارنة بـ 3154 عملية ترحيل من داخلها في سنة 2022. وفي المقابل، اضطرت السلطات الإيطالية لتنفيذ عمليات ترحيل مباشرة دون احتجاز، والتي تضاعفت أربع مرات لتصل إلى 3052 حالة، نظراً لعجز تلك المراكز عن الاستيعاب، رغم تسجيلها رقماً قياسياً في عدد المحتجزين الكلي ورفع طاقتها التشغيلية.
وتكشف خصائص المحتجزين داخل هذه المراكز خلال سنة 2025 عن معطى حقوقي بالغ الخطورة؛ حيث شكل طالبو اللجوء 40.1% من إجمالي الوافدين إلى مراكز الاحتجاز، في حين بلغت نسبة الأشخاص الذين أُحيلوا إليها مباشرة بعد مغادرة السجن 16.2% فقط، مما يعكس توسعاً في احتجاز المدنيين والباحثين عن الحماية الدولية.
صعود صاروخي للتكاليف المالية والبشرية
ولم تتوقف معطيات التقرير عند الهشاشة التنظيمية، بل كشفت عن أرقام مالية قياسية تدفعها خزينة الدولة الإيطالية؛ حيث قفزت الكلفة الإجمالية لترحيل الشخص الواحد انطلاقاً من مراكز الاحتجاز بنسبة 156.5%، لترتفع من 6455 يورو في سنة 2023 إلى 16560 يورو في سنة 2025 للشخص الواحد.
وبحسب الجداول المالية, أنفقت إيطاليا ما لا يقل عن 217.1 مليون يورو على نظام احتجاز الأجانب وتسيير شؤونهم بين سنتي 2018 و2025، وتمركز ثلثا هذا الإنفاق الضخم (66.2%) في السنوات الثلاث الأخيرة فقط. هذا بالإضافة إلى نفقات إضافية مكتومة ناهزت 7.4 ملايين يورو كعقود ملحقة بالعمليات الخارجية، وأكثر من 3 ملايين يورو خُصصت فقط لإيواء وإطعام قوات الأمن المكلفة بحراسة تلك المنشآت.
أما الكلفة البشرية فكانت الأشد وطأة؛ إذ قفز متوسط عدد أيام الاحتجاز المطلوبة داخل المركز لتحقيق ترحيل واحد من 62 يوماً في السنوات الماضية إلى 148 يوماً من الاحتجاز الفعلي خلال العام الأخير. وتوثق قاعدة البيانات المشتركة بين « أكشن إيد » وجامعة باري تسجيل خمس وفيات على الأقل لأشخاص كانوا محتجزين داخل هذه المراكز خلال الفترة بين 2024 و2026، إلى جانب حالات حادة لإيذاء النفس، ومحاولات انتحار، وإضرابات عن الطعام، وأأعمال شغب، وحرائق متكررة.
التعتيم الحكومي وحظر البيانات
وفي تعليق نقدي لاذع، نقل التقرير عن خبراء المنظمات الحقوقية الإيطالية تأكيدهم أن « بيانات وزارة الداخلية نفسها تثبت أن هذه المراكز لا تضمن عمليات الترحيل الموعودة ولا تعمل، ورغم ذلك تستمر الحكومة في هدر الأموال والاستثمار في هذه البيئات المقيدة للحرية ».
كما استنكر معدو التقرير سياسة « حظر البيانات وغياب الشفافية المتعمد » التي انتهجتها وزارة الداخلية الإيطالية، والتي رفضت تقديم جداول تفصيلية لعمليات الترحيل مقسمة حسب الجنسيات للعام الأخير. فيما بررت بعض المحافظات الإيطالية حجب محاضر تفتيش المراكز خوفاً من أن تؤدي هذه المعلومات الطبية والحقوقية المنشورة إلى إثارة احتجاجات وتوترات شعبية؛ وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام الجانب الأوروبي بمعايير الديمقراطية والرقابة العامة عندما يتعلق الأمر بملف إدارة الهجرة وتصدير أزماتها نحو الضفة الجنوبية للمتوسط.
