تطرح تصريحات العميد المتقاعد والخبير العسكري التونسي توفيق ديدي بشأن وجود تحالف تركي–إسرائيلي يستهدف تونس والجزائر إشكالاً كبيراً عند مقارنتها بالوقائع السياسية والاقتصادية والعسكرية المعلنة بين أنقرة وكل من تونس والجزائر.
ولا يتعلق الأمر هنا بتقييم سياسي لمواقف العميد ديدي أو بمناقشة نواياه، وإنما بوضع ما يقوله أمام ما يمكن التثبت منه من خلال الاتفاقيات الرسمية، والزيارات الرئاسية، والتعاون العسكري، والتبادل التجاري، وقرارات الدولة التركية نفسها تجاه إسرائيل.
والخلاصة الأولية التي تفرضها هذه المقارنة هي أن الوقائع العلنية المتاحة لا تقدم دليلاً على وجود تحالف تركي–إسرائيلي يستهدف تونس أو الجزائر، بينما تقدم في المقابل أدلة كثيرة على تطور العلاقات التركية مع البلدين، بما في ذلك في المجال العسكري والأمني.

أولاً: ماذا يقول ديدي وماذا تقول الوقائع؟
عندما يُطرح سيناريو مفاده أن تركيا تتحالف مع إسرائيل لضرب تونس والجزائر، فإن السؤال الأساسي يصبح: كيف يمكن تفسير طبيعة العلاقات القائمة فعلياً بين تركيا من جهة وتونس والجزائر من جهة أخرى؟
ففي الحالة التونسية، لا نتحدث عن علاقات دبلوماسية عادية فقط، وإنما عن شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والعسكرية.
وفي أكتوبر 2024، استقبل وزير الدفاع الوطني التونسي سفير تركيا في تونس، وكان التعاون العسكري بين البلدين وتطويره وتوسيع مجالاته محور اللقاء. وأكدت وزارة الدفاع التونسية آنذاك أن التعاون العسكري التونسي–التركي شهد « نقلة نوعية » خلال السنوات الأخيرة، مشيرة إلى الإطار القانوني الواسع بين البلدين، خصوصاً في مجالي التكوين والصحة العسكرية، وإلى انتظام اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة.
هذه ليست تصريحات صادرة عن شركة تركية أو عن جهة تجارية، وإنما موقف منشور رسمياً على موقع وزارة الدفاع التونسية.
فإذا كانت أنقرة، وفق السيناريو المطروح، جزءاً من خطة لضرب تونس، فإن السؤال المنطقي هو: لماذا تعمل المؤسسة العسكرية التونسية نفسها على تطوير التعاون العسكري مع تركيا وتوسيع مجالاته؟
ثانياً: تركيا ليست مجرد شريك تجاري لتونس
العلاقات التركية–التونسية تتجاوز التجارة التقليدية.
فالاتفاقية المؤسسة لمنطقة التجارة الحرة بين تونس وتركيا وُقعت في نوفمبر 2004 ودخلت حيز التنفيذ في جويلية 2005، وهي تنظم إزالة الرسوم والعوائق التجارية وتغطي مجالات عديدة، بينها الخدمات والاستثمار والمشتريات العمومية والمساعدات الحكومية وحقوق الملكية الفكرية والتعاون بين المؤسسات الصغرى والمتوسطة.
وفي جويلية 2026، انعقد في إسطنبول منتدى تونسي–تركي للتجارة والاستثمار شارك فيه مسؤولون ورجال أعمال من البلدين، وأعلنت أنقرة أن صادراتها إلى تونس بلغت 1.2 مليار دولار سنة 2025، بزيادة 11.6%، مقابل واردات تركية من تونس في حدود 350 مليون دولار.
الأهم أن الجانب التركي تحدث صراحة عن الانتقال من مجرد علاقة تصدير واستيراد إلى شراكات إنتاج واستثمار، مع اعتبار تونس بوابة استراتيجية إلى إفريقيا.
أي أن العلاقة بين البلدين ليست علاقة عابرة يمكن تفسيرها فقط بالمجاملات الدبلوماسية، بل هي علاقة اقتصادية مؤسساتية متراكمة.
في الصورة وفد عسكري تونسي في زيارة لواحدة من أكبر مصانع الأسلحة في تركيا

ثالثاً: المفارقة الأكبر تأتي من التعاون العسكري
إذا كان الادعاء هو أن تركيا تشكل تهديداً عسكرياً لتونس، فإن الوقائع المتعلقة بالتسليح التركي المستخدم من قبل تونس تطرح مفارقة واضحة.
فالقوات المسلحة التونسية تستخدم مركبات مدرعة تركية الصنع من طراز كيربي، وهي مركبات مصممة للحماية من الألغام والعبوات والكمائن.
وتشير بيانات شركة « بي إم سي » التركية إلى أن مركبات كيربي تخدم في تونس إلى جانب عدد من الدول الأخرى، كما تذكر الشركة تونس ضمن مستخدمي عائلة هذه المركبات.
كما تظهر بيانات الأمم المتحدة الخاصة بنقل الأسلحة أن تركيا صدّرت إلى تونس مركبات مدرعة، من بينها مركبات بي إم سي – كِيرپِي – فُور باي فُور – إم راب خلال عام 2016.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح:
إذا كانت تركيا تخطط لضرب تونس، فلماذا تبيع تونس معدات عسكرية مدرعة مخصصة لحماية قواتها، ولماذا تعمل وزارة الدفاع التونسية على تطوير التعاون العسكري معها؟
قد يقول قائل إن شراء السلاح لا يعني بالضرورة وجود تحالف سياسي دائم، وهذا صحيح. لكن النقطة الأساسية هي أن هذه الوقائع تجعل صورة « تركيا كطرف يستعد لضرب تونس » أكثر تعقيداً بكثير مما توحي به التصريحات.
رابعاً: ماذا عن الجزائر؟ هنا تصبح المفارقة أكبر
إذا كان الحديث عن مخطط تركي–إسرائيلي يستهدف تونس والجزائر معاً، فإن العلاقات التركية–الجزائرية تقدم واحدة من أقوى الوقائع التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار.
ففي 7 ماي 2026، ترأس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في أنقرة الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين تركيا والجزائر.
وهذا ليس اجتماعاً بروتوكولياً عادياً.
فالمجلس انعقد بحضور وزراء ومسؤولين من البلدين، بعد اجتماع ثنائي بين أردوغان وتبون، وتم خلاله بحث العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والدولية.
والأهم أن الاجتماع انتهى إلى توقيع مجموعة واسعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم.
وبحسب وكالة الأناضول، وقعت تركيا والجزائر في ذلك اليوم 13 اتفاقية شملت النقل والاتصالات والتجارة والإعلام وإدارة الكوارث والتعاون الصناعي وغيرها من المجالات.
كما وقّع الرئيسان الإعلان المشترك للاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى.
فكيف يمكن في الوقت نفسه تصور أن أنقرة تدخل في « تحالف لضرب الجزائر » بينما تنشئ معها في ماي 2026 تحديداً مجلساً للتعاون الاستراتيجي على أعلى مستوى؟
خامساً: تبون نفسه يتحدث عن « ديناميكية متزايدة »
المسألة لا تتوقف عند الجانب التركي.
فالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون نفسه وصف العلاقات الجزائرية–التركية، في المؤتمر الصحفي المشترك مع أردوغان في 7 ماي 2026، بأنها تشهد ديناميكية متزايدة، مؤكداً رغبة الجزائر في تعزيزها وتنويع التعاون الاقتصادي.
كما أعلنت الجزائر وتركيا رغبتهما في توسيع الشراكة الاقتصادية والاستثمارية.
أما أردوغان، فقال إن تركيا مصممة على تعزيز التعاون مع الجزائر في مجالات استراتيجية، بينها الطاقة والمناجم والنقل والزراعة.
والأكثر دلالة أن العلاقة لم تتوقف عند الاقتصاد.
سادساً: التعاون العسكري التركي–الجزائري موجود أيضاً
في يوليو وسبتمبر 2025، استقبلت قيادة القوات البرية الجزائرية الملحق العسكري والبحري والجوي التركي لدى الجزائر، وكانت اللقاءات مخصصة لتبادل وجهات النظر وتعزيز العلاقات وتوطيد التعاون في المجال العسكري.
كما شهدت قيادة القوات الجوية الجزائرية لقاءات مع الملحق العسكري التركي، في إطار العلاقات العسكرية القائمة بين البلدين.
والأهم أن الرئيسين التركي والجزائري، في اتصال هاتفي في 28 ماي 2026، بحثا التعاون بين البلدين في مجالات التجارة والطاقة وصناعة الدفاع، فيما أكد أردوغان رغبة بلاده في تعميق التعاون مع الجزائر في مختلف المجالات.
أي أن التعاون العسكري لم يكن مجرد مرحلة قديمة، بل كان لا يزال موضوعاً مطروحاً على مستوى الرئيسين بعد ثلاثة أسابيع فقط من اجتماع مجلس التعاون الاستراتيجي.

سابعاً: ماذا عن إسرائيل وتركيا؟
هنا يجب التفريق بين أمرين.
تركيا وإسرائيل كانت لهما تاريخياً علاقات دبلوماسية وتجارية وأمنية معقدة، ولذلك لا يصح اختزال التاريخ التركي–الإسرائيلي في صورة واحدة.
لكن عند تقييم الادعاء المتعلق بالمرحلة الحالية، توجد واقعة شديدة الأهمية:
تركيا أعلنت في 2 ماي 2024 وقف جميع عمليات التصدير والاستيراد والتجارة العابرة مع إسرائيل.
وقالت وزارة التجارة التركية إن القرار شمل جميع المنتجات، وإن التجارة مع إسرائيل توقفت بالكامل.
وفي مارس 2026، جددت وزارة التجارة التركية التأكيد على أن التجارة مع إسرائيل متوقفة منذ 2 ماي 2024، وأن النظام الجمركي التركي لا يسمح بعمليات التجارة مع إسرائيل، ووصفت الادعاءات باستمرار التجارة بأنها غير صحيحة.
بل إن الرئيس أردوغان نفسه أعلن عند اتخاذ قرار وقف التجارة أن تركيا « أغلقت ذلك الباب » رغم حجم التجارة السابق مع إسرائيل.
كما أكدت وزارة التجارة التركية أن تركيا لم تكن تجري تجارة في المنتجات العسكرية أو الدفاعية مع إسرائيل، وأن التعاون التجاري مع إسرائيل توقف بالكامل اعتباراً من مايو 2024.
هذه المعطيات لا تعني أن كل العلاقات التركية–الإسرائيلية التاريخية اختفت من الوجود، ولا تسمح وحدها بإثبات عدم وجود أي اتصال استخباراتي سري؛ فمثل هذه الأمور لا يمكن إثباتها أو نفيها من البيانات التجارية وحدها.
لكنها بالتأكيد لا تدعم، بحد ذاتها، رواية وجود تحالف معلن أو موثق بين أنقرة وتل أبيب لتنفيذ عمل عسكري ضد تونس والجزائر.
ثامناً: تركيا نفسها تتحرك في الاتجاه المعاكس
هناك تطور إقليمي آخر يستحق الانتباه.
فتركيا دخلت خلال أوت 2026 في اتفاق دفاعي ثلاثي مع السعودية وباكستان، في إطار « اتفاق الدفاع المشترك في مكة »، وسط التوترات الإقليمية المتصاعدة.
وبحسب رويترز، الاتفاق يقوم على مبدأ اعتبار الاعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعاً، ويتضمن تعاوناً سياسياً وعسكرياً وتدريبات مشتركة وتعاوناً في الأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والصناعة الدفاعية.
واللافت أن التحليل الدولي للاتفاق اعتبره جزءاً من سعي دول إقليمية إلى بناء قدرات دفاعية أكثر استقلالاً في مواجهة التوترات الإقليمية، وليس تحالفاً تركياً–إسرائيلياً.
وهذا لا يثبت أن تركيا في مواجهة مباشرة مع إسرائيل في كل الملفات، لكنه يؤكد أن المشهد الإقليمي أكثر تعقيداً من ثنائية « تركيا وإسرائيل حليفتان لضرب تونس والجزائر ».
تاسعاً: هل يمكن أن تكون هناك اتصالات سرية رغم كل ذلك؟
هنا يجب أن نكون دقيقين.
لا يمكن لأي صحفي أو محلل أن يقول إن « لا وجود مطلقاً » لأي اتصال استخباراتي تركي–إسرائيلي سري، لأن طبيعة العمل الاستخباراتي تجعل إثبات مثل هذه الأمور من خارج الأجهزة المعنية أمراً بالغ الصعوبة.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين القول:
« قد توجد قنوات اتصال سرية بين دولتين »
وبين القول:
« تركيا تتحالف مع إسرائيل لضرب تونس والجزائر ».
الأول احتمال استخباراتي يحتاج إلى أدلة إذا أريد تحويله إلى معلومة.
أما الثاني فهو ادعاء استراتيجي بالغ الخطورة يحتاج إلى أدلة من مستوى مختلف تماماً: وثائق، خطط عمليات، معلومات استخباراتية موثقة، تحركات عسكرية مرتبطة مباشرة بالهدف، أو مصادر رسمية يمكن التثبت منها.
ومن خلال المعطيات العلنية التي أمكن التثبت منها، لا تظهر مثل هذه الأدلة.
عاشراً: المفارقة التونسية–التركية في أبسط صورها
يمكن تلخيص التناقض في مجموعة من الأسئلة:
هل تركيا تتآمر لضرب تونس؟
لكن وزارة الدفاع التونسية تتحدث عن تطوير التعاون العسكري معها.
هل تركيا تستعد لمواجهة تونس؟
لكن تونس تستخدم مركبات عسكرية تركية الصنع.
هل تركيا تعتبر تونس خصماً؟
لكن حجم التجارة والاستثمار بين البلدين يتطور، وأنقرة تعتبر تونس بوابة استراتيجية إلى إفريقيا.
هل تركيا تخطط لضرب الجزائر؟
لكن أردوغان وتبون أنشآ في ماي 2026 مجلس تعاون استراتيجي رفيع المستوى.
هل الجزائر ترى تركيا تهديداً؟
لكن تبون وصف العلاقات التركية–الجزائرية بالديناميكية المتزايدة، واتفق البلدان على توسيع التعاون.
هل تركيا في تحالف مع إسرائيل؟
لكن أنقرة أوقفت التجارة مع إسرائيل منذ ماي 2024، وجددت رسمياً في 2026 التأكيد على استمرار وقف التجارة.
الحصيلة: المشكلة ليست في اختلاف الرأي وإنما في القفزة من التحليل إلى الاتهام
يمكن للعميد توفيق ديدي، باعتباره خبيراً عسكرياً، أن يقدم قراءته الخاصة للتحولات الإقليمية وأن يحذر من احتمالات أو سيناريوهات مستقبلية.
لكن عندما تتحول القراءة الاستراتيجية إلى اتهام دولة مثل تركيا بأنها تتحالف مع إسرائيل لضرب دولتين تربطها بهما علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية متطورة، فإن المسألة تحتاج إلى أدلة تتجاوز التحليل والاستنتاج.
فالوقائع المتاحة حتى الآن تقدم صورة مختلفة:
تركيا لديها اتفاقية تجارة حرة مع تونس، وحجم تجاري متنامٍ، وتعاون عسكري معلن، وتونس تستخدم معدات عسكرية تركية الصنع.
وفي المقابل، تركيا والجزائر انتقلتا في مايو 2026 إلى مستوى جديد من العلاقات من خلال مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، ووقعتا 13 اتفاقية ومذكرة تفاهم، فيما واصل الرئيسان بحث التعاون في التجارة والطاقة وصناعة الدفاع بعد ذلك بأسابيع.
أما العلاقة التركية–الإسرائيلية، فالمؤكد رسمياً أن التجارة الثنائية توقفت منذ ماي 2024، وأن أنقرة كررت في 2026 تمسكها بهذا القرار.
لذلك فإن التناقض بين الرواية والوقائع ليس تفصيلاً هامشياً.
بل إن السؤال الذي تفرضه المعطيات هو:
إذا كانت تركيا بالفعل جزءاً من تحالف إسرائيلي يستهدف تونس والجزائر، فلماذا تبني أنقرة في الوقت نفسه شراكات استراتيجية واقتصادية وعسكرية متصاعدة مع تونس والجزائر؟
هذا السؤال لا يحسم وحده ما يجري خلف الأبواب المغلقة، لكنه يكشف أن الانتقال من وجود تحالفات واتصالات إقليمية معقدة إلى الجزم بوجود خطة تركية–إسرائيلية لضرب تونس والجزائر يحتاج إلى أدلة أقوى بكثير مما هو متاح في المصادر العلنية حتى الآن.


