هل تخيلت يوماً أن يستيقظ طفل صغير متوجهاً بابتسامة عريضة إلى مكان يُدعى « قبر الغول »؟ قد يبدو الأمر للوهلة الأولى أشبه ببداية فيلم رعب من أفلام هوليوود، أو فصلاً من كتاب خرافات قديم، لكنه في الحقيقة واقع يومي يعيشه تلاميذ مدرسة ابتدائية عريقة في ريف ولاية سليانة التونسية، تأسست عام 1963 لتصنع من اسمها الغريب مادة دسمة تثير الفضول والضحك كلما حلت العودة المدرسية.
رعب في السجل.. وضحك في الواقع
تخيل المشهد في اليوم الأول من الدراسة: يقف المدير منادياً على الأسماء، ويختم ترحيبه بـ: « مرحباً بكم في قبر الغول! ». هذا الاسم الذي يتصدر لافتة المدرسة الرسمية تحت شعار وزارة التربية التونسية، يثير موجات من التعليقات الساخرة على منصات التواصل الاجتماعي سنوياً. يتهكم البعض قائلين إن المدرسة تضمن انضباطاً حديدياً، فمن ذا الذي يجرؤ على الشغب أو الهروب وهو محبوس داخل « قبر غول »؟ بينما يرى آخرون أن التسمية تمنح تلاميذها شجاعة استثنائية لمواجهة صعوبات الحياة.
فك الشفرة: لا غول ولا كابوس!
لكن خلف هذا الاسم المخيف تختبئ حكاية طريفة تفسر كيف تحول التاريخ إلى دعابة شعبية:
- المُعمر الفرنسي « ڤول »: الحقيقة التاريخية أبعد ما تكون عن الوحوش الأسطورية. أصل الحكاية يعود لفترة الاستعمار الفرنسي، حيث كانت المنطقة تضم « قَبْواً » (مخزناً تحت الأرض) يملكه مُعمر فرنسي يُدعى « ڤول » . ومع رحيل الاستعمار، تداول التونسيون اسم « قبو ڤول »، وبفعل اللهجة العامية والزمن، تحور اللفظ تدريجياً ليصبح « قبر الغول ».
- المقبرة المجازية للجهل: أمام هذا الاسم المرعب، وجد الأساتذة وأهالي المنطقة مخرجاً فلسفياً بليغاً وطريفاً للتصالح مع اللافتة؛ فصاروا يرددون مقولة شهيرة: « إذا كان الجهل والأمية هما الغول الحقيقي الذي يهدد عقول أطفالنا، فإن هذه المدرسة هي المقبرة التي دُفن فيها هذا الغول إلى الأبد ».
من قلب « القبر ».. تخرجت الكفاءات
المفارقة المضحكة المبكية أن هذه المدرسة ذات الاسم « المرعب » لم تخرج وحوشاً، بل كانت طوال عقود منبعاً للعلم والمعرفة في ريف سليانة، وتخرجت منها كفاءات وإطارات وطنية تفتخر اليوم بكونها بدأت خطوتها الأولى في الحياة من داخل « قبر الغول ».
في النهاية، تظل هذه المدرسة دليلاً حياً على أن الأسماء قد تظلم أصحابها أحياناً، فبينما يوحي اسمها بالنهاية والفزع، تفتح أبوابها الزرقاء كل صباح لتهب الحياة والأمل لعشرات الأطفال!



