الرئيسية آخر الأخبار صدق أو لا تصدق… 21 سنة إنتظار للحصول على الموافقة لإقتناء جهاز...

صدق أو لا تصدق… 21 سنة إنتظار للحصول على الموافقة لإقتناء جهاز للتصوير الطبي

0
7
blank

لم يكن ملف اقتناء جهاز التصوير الطبي المتطور مجرد إجراء إداري عادي، بل تحول إلى مثال صارخ على الفجوة بين سرعة تطور التكنولوجيا الطبية وبطء الإجراءات الإدارية. فبعد أكثر من عقدين من الانتظار، تلقت مصحة النصر بولاية تونس ومصحات أخرى أخيرا ردا من وزارة الصحة بخصوص مطلب تقدمت به سنة 2005 لاقتناء جهاز التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني، المعروف اختصارا بجهاز التصوير الوظيفي المتطور.

المفارقة أن الموافقة وصلت بعد حوالي 21 سنة من تاريخ إيداع المطلب، أي بعد فترة زمنية طويلة تغير خلالها وجه الطب التشخيصي في العالم، وتطورت خلالها هذه الأجهزة بشكل كبير، لتصبح اليوم من أهم الوسائل المعتمدة في تشخيص ومتابعة عدد من الأمراض الخطيرة، وعلى رأسها السرطان.

ملف بقي في الانتظار منذ سنة 2005

وحسب الوثيقة المتداولة، على الصفحة الرسمية لوزارة الصحة تقدمت مصحة النصر بمطلبها بتاريخ 13 أفريل 2005 للحصول على الموافقة لاقتناء الجهاز، قبل أن يبقى الملف ضمن مجموعة من المطالب الأخرى المتعلقة بتجهيز مؤسسات صحية بأجهزة تصوير طبي متطورة.

وتشير المعطيات نفسها إلى أن القائمة شملت مؤسسات صحية أخرى تقدمت بمطالب منذ سنوات طويلة، من بينها مصحات في ولايات تونس وسوسة وصفاقس، يعود بعضها إلى سنوات 2005 و2006 و2007، قبل أن تصدر الموافقة أخيرا سنة 2026.

هذا المسار الطويل أعاد طرح تساؤلات حول سرعة دراسة الملفات المتعلقة بالتجهيزات الطبية الحديثة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بوسائل تشخيص يمكن أن يكون لها تأثير مباشر على حياة المرضى، باعتبار أن بعض الأمراض لا تحتمل الانتظار الطويل.

blank
جهاز غيّر طريقة تشخيص السرطان

يعد جهاز التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني من أكثر التقنيات تقدما في مجال التصوير الطبي، لأنه لا يكتفي بإظهار شكل العضو أو مكان الورم، بل يسمح بدراسة نشاط الخلايا داخل الجسم.

وتكمن أهميته خاصة في مجال السرطان، حيث يساعد الأطباء على اكتشاف الأورام في مراحل مبكرة، وتحديد مدى انتشار المرض، ومراقبة تطور الحالة الصحية للمريض، ومعرفة مدى استجابة الجسم للعلاج.

فعلى عكس أجهزة التصوير التقليدية التي تركز أساسا على الكشف عن التغيرات التشريحية، يوفر هذا الجهاز معلومات حول النشاط الحيوي للخلايا، وهو ما يمنح الأطباء صورة أكثر دقة لاتخاذ القرارات العلاجية المناسبة.

من تقنية حديثة سنة 2005 إلى أداة أساسية اليوم

عندما تقدمت مصحة النصر بمطلبها سنة 2005، كانت هذه التقنية تعتبر من التجهيزات المتقدمة التي لم تكن متوفرة إلا في عدد محدود من المراكز الطبية الكبرى في العالم.

لكن خلال العقدين الماضيين، شهدت هذه الأجهزة ثورة تقنية كبيرة. فقد أصبحت أكثر سرعة ودقة، وتحسنت قدرتها على كشف التغيرات الصغيرة داخل الجسم، كما تم تطوير أنظمة تجمع بين التصوير الوظيفي والتصوير التشريحي في فحص واحد، وهو ما سمح بتحديد مواقع الأورام بدقة أكبر.

كما ساهم التطور التقني في تقليص مدة الفحص وتحسين جودة الصور وتقليل كمية المواد المشعة المستعملة، إضافة إلى إدخال أنظمة ذكية تساعد الأطباء على تحليل الصور واكتشاف مؤشرات دقيقة قد يصعب ملاحظتها بالعين المجردة.

وخلال السنوات الأخيرة، لم يعد هذا الجهاز مقتصرا على متابعة مرضى السرطان فقط، بل أصبح يستخدم أيضا في بعض أمراض القلب والجهاز العصبي، بفضل قدرته على دراسة وظائف الأعضاء وليس فقط شكلها الخارجي.

عقدان غيّرا الطب… ولم يغيرا سرعة الإجراءات

تكشف قصة هذا الملف مفارقة واضحة: ففي الوقت الذي كانت فيه التكنولوجيا الطبية تتقدم بسرعة كبيرة، ظل مطلب اقتناء جهاز من هذا النوع ينتظر أكثر من عقدين للحصول على الموافقة.

فالجهاز الذي كان يمثل خطوة كبيرة نحو تحديث وسائل التشخيص سنة 2005 أصبح اليوم من التجهيزات التي تعتمد عليها العديد من المراكز الطبية الحديثة لتحسين التكفل بالمرضى.

ولا يتعلق الأمر فقط باقتناء معدات جديدة، بل بمدى قدرة المنظومة الصحية على مواكبة التطورات العلمية في الوقت المناسب، لأن التأخير في توفير وسائل التشخيص المتطورة لا يعني فقط تأجيل دخول جهاز إلى مؤسسة صحية، بل قد يعني أيضا تأخير استفادة المرضى من إمكانيات تشخيص أكثر دقة وأسرع.

وبين مطلب قدم سنة 2005 وموافقة صدرت سنة 2026، بقي السؤال قائما: كيف يمكن لمنظومة صحية أن تواكب تطور الطب العالمي إذا كانت دورة اتخاذ القرار تحتاج إلى أكثر من عشرين سنة؟.

ثلاثة أجهزة موجودة… لكن دخولها الخدمة تأخر أيضا

ولا تتوقف مفارقة أجهزة التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني عند طول انتظار الموافقات، فخلال سنة 2020 واجهت ثلاثة أجهزة أخرى موجهة لتشخيص وعلاج السرطان تأخيرا في دخولها حيز الاستغلال رغم توفرها في المؤسسات الصحية العمومية.

ويتعلق الأمر بأجهزة موجودة في المستشفى الجامعي الحبيب بورقيبة بصفاقس، ومستشفى صالح عزيز بتونس، والمستشفى الجامعي سهلول بسوسة، وهي أجهزة كانت تنتظر استكمال الإجراءات الضرورية قبل الانطلاق في تقديم خدماتها للمرضى.

وكان المدير العام للهياكل الصحية بوزارة الصحة محمد مقداد قد أعلن أن هذه الأجهزة ستدخل حيز الاستغلال بعد فترة توقف دامت حوالي عشرة أشهر، موضحا أن سبب التأخير يعود إلى عدم التوصل في البداية إلى اتفاق بين وزارة الصحة والصندوق الوطني للتأمين على المرض حول تحديد التعريفة الخاصة بالفحوصات التي يتم إجراؤها بواسطة هذا الجهاز.

وقد اقترحت وزارة الصحة تعريفة قدرها 2175 دينارا للفحص الواحد، على أن يتكفل الصندوق الوطني للتأمين على المرض بمصاريف هذه الفحوصات لفائدة منظوريه، إضافة إلى حاملي بطاقات العلاج المجاني والعلاج بالتعريفة المنخفضة.

وتبلغ قيمة هذه الأجهزة أكثر من ستة ملايين دينار، وهي تمثل إضافة مهمة للمنظومة الصحية باعتبار قدرتها على الكشف المبكر عن الأورام السرطانية بفضل دقتها العالية.

ويعتمد هذا الفحص على حقن المريض بمادة تحتوي على كمية صغيرة من عنصر مشع، تتجه نحو المناطق التي توجد بها خلايا ذات نشاط غير طبيعي، وخاصة الأورام أو الانتشارات السرطانية، ما يسمح برصدها بدقة ومساعدة الأطباء على اختيار العلاج الأنسب.

وتكشف هذه المعطيات أن تحدي توفير التقنيات الطبية الحديثة لا يرتبط فقط باقتناء الأجهزة، بل أيضا بقدرة المنظومة الصحية على تسريع الإجراءات الإدارية والمالية والفنية حتى تصل هذه التجهيزات إلى المرضى في الوقت المناسب.