فاز الديمقراطي الأمريكي من أصول مصرية عبد الرحمن السيد بانتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان، ليصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية هذا المجلس في تاريخ الولايات المتحدة، في نتيجة تمثل اختراقا سياسيا لافتا للجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي.
وأفادت وسائل إعلام أمريكية، استنادا إلى التوقعات الانتخابية، بأن السيد تمكن من هزيمة منافسه الجمهوري مايك روجرز، في السباق على المقعد الذي سيصبح شاغرا مع إحجام السيناتور الديمقراطي غاري بيترز عن الترشح مجددا. وأعلنت وكالة أسوشيتد برس توقع فوزه، فيما أكدت وسائل إعلام أمريكية أخرى النتيجة.
ولا تقتصر أهمية هذا الفوز على خلفية السيد الدينية والعائلية، بل تتجاوزها إلى دلالات سياسية تتصل بمستقبل التيار التقدمي في الولايات المتحدة، وبقدرة مرشحيه على الفوز في الولايات المتأرجحة التي غالبا ما تحسم نتائجها التوازنات داخل الكونغرس.
من هو عبد الرحمن السيد؟
ولد السيد في الولايات المتحدة لعائلة مصرية، وتلقى تكوينا أكاديميا في الطب والصحة العامة. وقد بنى حضوره السياسي على قضايا الصحة والتفاوت الاجتماعي، معتبرا أن حصول الأمريكيين على الرعاية الصحية لا ينبغي أن يتوقف على قدرتهم المالية أو على نوع التأمين الذي يتمتعون به.
ولم يكن طريقه إلى مجلس الشيوخ سهلا. فقد خاض قبل سنوات انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية لمنصب حاكم ميشيغان عام 2018، لكنه خسر أمام منافسه آنذاك. وبعد ثماني سنوات، عاد إلى الواجهة السياسية في سباق مختلف، انتهى بفوزه بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي، رغم أنه لم يسبق له أن شغل منصبا منتخبا. Reuters+1
برنامج اجتماعي ومواجهة مع نفوذ الشركات
خلال حملته الانتخابية، ركز السيد على غلاء المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية للأسر، وإصلاح النظام الصحي، والحد من تأثير الأموال والشركات الكبرى في الحياة السياسية الأمريكية.
ومن أبرز مقترحاته توسيع التغطية الصحية لتشمل جميع الأمريكيين ضمن نظام تموله الحكومة، وهو توجه يعرف داخل الحزب الديمقراطي باسم «الرعاية الصحية للجميع»، ويحظى بدعم الجناح التقدمي الذي يمثله السيناتور بيرني ساندرز وعدد من النواب الشباب.
كما دعا إلى تقليص نفوذ المصالح الاقتصادية الكبرى في تمويل الحملات الانتخابية، وجعل القضايا الاجتماعية والاقتصادية في صدارة النقاش السياسي، بدلا من تركها في مرتبة ثانوية أمام الصراعات الحزبية.
حملة انتخابية لم تخل من الاتهامات
لم تجر الانتخابات في أجواء هادئة. فقد تحول موقف السيد من الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، وانتقاداته للحرب في غزة، إلى محور أساسي في الحملة، كما واجه هجمات من شخصيات جمهورية بارزة حاولت ربطه بالتطرف الإسلامي وبجماعة الإخوان المسلمين.
ونفى السيد أي انتماء له إلى الجماعة، فيما أشارت وكالة رويترز إلى أن الاتهامات المتعلقة بصلاته بها لم تكن مدعومة بأدلة. واعتبر ديمقراطيون أن جزءا من الهجمات التي استهدفته استند إلى صور نمطية معادية للمسلمين.
كما واجه انقساما داخل الحزب الديمقراطي نفسه. فقد أيدت النائبة الديمقراطية هايلي ستيفنز، التي نافسته في الانتخابات التمهيدية، منافسه الجمهوري مايك روجرز في الأيام الأخيرة للحملة، في خطوة عكست حجم الخلافات داخل الحزب بشأن مواقفه من إسرائيل وبعض القضايا السياسية.
ومع ذلك، تمكن السيد من تجاوز هذه الخلافات والفوز بالسباق، في وقت واجه فيه منافسه الجمهوري صعوبات مرتبطة بالاقتصاد وارتفاع الأسعار والحرب مع إيران والتوترات التجارية مع كندا، وهي قضايا حضرت بقوة في حسابات الناخبين.
ماذا يعني هذا الفوز؟
الأهم من كل هذا أن انتخاب عبد الرحمن السيد يفتح صفحة جديدة في تمثيل المسلمين داخل المؤسسات السياسية الأمريكية. فهو أول مسلم يفوز بعضوية مجلس الشيوخ، أحد المجلسين المكونين للكونغرس، والذي يشارك في التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية والمصادقة على التعيينات والاتفاقيات وفق الدستور الأمريكي.
ويمثل الفوز أيضا دفعة للجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، الذي يدافع عن توسيع الخدمات الاجتماعية، وتقليص الفوارق الاقتصادية، وإعادة النظر في العلاقة بين المال والسياسة. وقد اعتُبر انتصاره مؤشرا إلى أن مرشحا يتبنى مواقف تقدمية واضحة يستطيع الفوز في ولاية تنافسية مثل ميشيغان، حتى في ظل حملة انتخابية حادة.
وسيكون من المهم متابعة كيفية ترجمة هذه المواقف إلى عمل تشريعي داخل مجلس الشيوخ، خصوصا في ملفات الرعاية الصحية والقدرة الشرائية والسياسة الخارجية الأمريكية، بما فيها المساعدات العسكرية لإسرائيل.
وبالنسبة إلى الأمريكيين من أصول عربية ومسلمة، فإن وصول السيد إلى هذا الموقع يحمل دلالة تتجاوز هويته الشخصية: إنه يؤكد أن الوصول إلى أعلى مستويات التمثيل السياسي يمكن أن يتحقق عبر صناديق الاقتراع، رغم الاستقطاب والجدل والضغوط التي قد ترافق الحملات الانتخابية.
