الرئيسية آخر الأخبار فرنسا ترفض حالياً إعادة طالبي اللجوء إلى إيطاليا.. وتونس وليبيا في قلب...

فرنسا ترفض حالياً إعادة طالبي اللجوء إلى إيطاليا.. وتونس وليبيا في قلب التفاهم مع روما

0
5
الترحيل
الترحيل

باريس تتمسك بالتقارب مع روما في ملف الهجرة رغم شروع دول أوروبية في إعادة طالبي اللجوء إلى إيطاليا

أفادت مصادر مطلعة في باريس بأن فرنسا لا تعتزم، في الوقت الحالي، الانضمام إلى الدول الأوروبية التي بدأت إعادة طالبي اللجوء إلى إيطاليا بموجب القواعد الجديدة للاتحاد الأوروبي المتعلقة بإدارة الهجرة واللجوء.

ونقلت وكالة الأنباء الإيطالية «أنسا» عن المصادر نفسها أن القرار السياسي الفرنسي في المرحلة الحالية هو عدم الانضمام إلى الدول التي تستأنف عمليات نقل المهاجرين إلى إيطاليا.

وأوضحت المصادر أن فرنسا «لن تصدر بأي حال من الأحوال» إعلانات مماثلة لتلك التي صدرت عن فنلندا والسويد، طالما استمرت مرحلة التعاون والتقارب مع إيطاليا.

ويأتي الموقف الفرنسي في وقت بدأت فيه عدة دول أوروبية إعادة طالبي لجوء إلى إيطاليا، استناداً إلى القواعد الجديدة للاتحاد الأوروبي الخاصة بتحديد الدولة المسؤولة عن دراسة طلبات اللجوء.

ما الذي تغير في أوروبا؟

دخلت القواعد الجديدة للاتحاد الأوروبي المتعلقة بإدارة اللجوء والهجرة حيز التنفيذ في 12 جوان 2026،  » الاستبدال «  الإطار السابق لنظام دبلن بإجراءات جديدة لتحديد مسؤولية الدول الأعضاء عن دراسة طلبات الحماية الدولية.

وبموجب النظام الجديد، يمكن استئناف عمليات نقل بعض طالبي اللجوء إلى الدولة الأوروبية التي تعتبر مسؤولة عن دراسة طلباتهم.

وفي حالة إيطاليا، يعني ذلك إمكانية إعادة أشخاص وصلوا إلى الاتحاد الأوروبي عبر الأراضي الإيطالية ثم واصلوا طريقهم إلى دول أوروبية أخرى وقدموا فيها طلبات لجوء.

وكانت إيطاليا قد علقت عملياً عمليات إعادة طالبي اللجوء إليها لسنوات، قبل أن تبدأ الترتيبات الجديدة في تغيير الوضع.

ألمانيا وسويسرا والنمسا.. ثم فنلندا والسويد

كانت ألمانيا وسويسرا من بين الدول التي تحركت أولاً لاستئناف عمليات النقل إلى إيطاليا.

وأعلنت سويسرا أن أولى عمليات النقل ستبدأ تدريجياً في نهاية أوت، بعد الاتفاق مع السلطات الإيطالية على استئناف العملية بصورة محدودة وتدريجية.

وبحسب السلطات السويسرية، ستشمل العمليات الأولى حالات وصلت إلى إيطاليا بعد دخول الميثاق الأوروبي الجديد حيز التنفيذ في 12 جوان.

كما استأنفت النمسا عمليات إعادة طالبي اللجوء إلى إيطاليا، وقالت مصادر نمساوية إن أربعة طالبي لجوء نقلوا بالفعل إلى إيطاليا، في إطار تطبيق القواعد الجديدة للميثاق الأوروبي.

ثم أعلنت فنلندا أن عمليات النقل إلى إيطاليا أصبحت قيد الإعداد، لتصبح رابع دولة تعلن هذا المسار بعد ألمانيا وسويسرا والنمسا.

أما السويد، فقد اتجهت بدورها إلى استئناف عمليات النقل، ما جعل إيطاليا أمام وضع جديد يتمثل في عودة عدد متزايد من الدول الأوروبية إلى تطبيق آلية إعادة طالبي اللجوء إليها.

لماذا لا تريد فرنسا السير في الاتجاه نفسه؟

الموقف الفرنسي يبدو مختلفاً، ليس بسبب رفض مبدئي للقواعد الأوروبية الجديدة، وإنما بسبب الحسابات السياسية المرتبطة بعلاقات باريس مع روما.

وتقول المصادر التي نقلت عنها «أنسا» إن فرنسا تريد في الوقت الراهن الحفاظ على مرحلة التعاون والتقارب مع الحكومة الإيطالية، خصوصاً في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية.

وتتقاطع باريس وروما، وفق المصادر، حول هدف الحد من تدفقات المهاجرين القادمين من تونس وليبيا.

وهذه النقطة مهمة بالنسبة إلى تونس، لأن جزءاً كبيراً من استراتيجية إيطاليا وفرنسا في ملف الهجرة يركز على الحد من عمليات الانطلاق عبر وسط البحر المتوسط قبل وصول المهاجرين إلى السواحل الإيطالية.

تونس وليبيا في قلب المعادلة

الموقف الفرنسي يكشف أن الهجرة في البحر المتوسط لم تعد تُدار فقط من خلال مراقبة الحدود الأوروبية.

فالمعادلة الأوروبية تتجه بصورة متزايدة إلى التعاون مع دول جنوب المتوسط ودول العبور والمنشأ، بهدف منع الرحلات قبل انطلاقها أو الحد من أعداد المهاجرين الذين يصلون إلى الأراضي الأوروبية.

وتونس تحتل موقعاً أساسياً في هذه المعادلة بحكم قربها الجغرافي من إيطاليا وكون سواحلها إحدى نقاط الانطلاق الرئيسية نحو جزيرة لامبيدوزا وبقية السواحل الإيطالية.

أما ليبيا، فتظل نقطة الانطلاق الأكبر في مسار وسط المتوسط.

ولهذا فإن عبارة المصادر الفرنسية حول «الحد من تدفق الهجرة القادمة من تونس وليبيا» تعكس بوضوح أن باريس ترى معالجة الهجرة في مرحلة ما قبل الوصول إلى أوروبا جزءاً من التعاون مع إيطاليا.

إيطاليا تتحول إلى نقطة اختبار للميثاق الأوروبي الجديد

استئناف عمليات إعادة طالبي اللجوء إلى إيطاليا يمثل اختباراً عملياً للقواعد الجديدة للاتحاد الأوروبي.

فالدول التي تستقبل أعداداً كبيرة من طالبي اللجوء تريد تطبيق مبدأ تحميل الدولة المسؤولة عن دخول طالب اللجوء مسؤولية دراسة ملفه، بينما تخشى دول أخرى من أن يؤدي ذلك إلى زيادة الضغط على الدول الواقعة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

وبالنسبة إلى إيطاليا، فإن إعادة طالبي اللجوء إليها تعني أن مسؤوليتها كدولة وصول أولى يمكن أن تصبح أكثر وضوحاً في المرحلة المقبلة.

لكن روما تحصل في المقابل، ضمن الميثاق الجديد، على آليات دعم وتضامن أوروبية يفترض أن تخفف جزءاً من العبء الواقع على الدول الحدودية.

فرنسا لا تغلق الباب

الموقف الفرنسي لا يعني أن باريس قررت رفض إعادة طالبي اللجوء إلى إيطاليا بشكل نهائي.

المصادر المطلعة في باريس تتحدث عن الموقف السياسي الحالي، وتربطه باستمرار التعاون والتقارب مع روما.

وبالتالي يمكن أن يتغير الموقف الفرنسي لاحقاً إذا تغيرت الظروف السياسية أو ارتفعت أعداد طلبات اللجوء أو أعيد ترتيب التوازنات داخل الاتحاد الأوروبي.

لكن في الوقت الحالي، اختارت فرنسا عدم الانضمام إلى المسار الذي بدأت ألمانيا وسويسرا والنمسا وفنلندا والسويد اعتماده.

ماذا يعني ذلك لتونس؟

المهم بالنسبة إلى تونس أن الخلاف الأوروبي حول إعادة طالبي اللجوء لا ينفصل عن السياسة الأوروبية تجاه دول جنوب المتوسط.

فباريس وروما تبدوان متفقتين على أولوية أخرى: تقليص الهجرة من تونس وليبيا قبل وصولها إلى أوروبا.

وهذا يعني أن الضغط الأوروبي على تونس في ملف الهجرة مرشح للاستمرار، بالتوازي مع التعاون الأمني والبحري والاتصالات السياسية حول مراقبة الحدود ومكافحة شبكات الهجرة غير النظامية.

كما أن استئناف إعادة طالبي اللجوء إلى إيطاليا من دول أوروبية أخرى قد يخلق واقعاً جديداً داخل الاتحاد الأوروبي، ستكون له انعكاسات غير مباشرة على تونس، خصوصاً إذا اتجهت الدول الأوروبية إلى تشديد إجراءاتها على مسارات الهجرة القادمة من جنوب المتوسط.

وبذلك، لا يتعلق الخبر فقط بسؤال: هل ستعيد فرنسا المهاجرين إلى إيطاليا؟

السؤال الأوسع هو: هل يتجه الاتحاد الأوروبي إلى إعادة توزيع مسؤولية الهجرة على دول الدخول الأولى، مع تشديد الإجراءات على طرق العبور القادمة من تونس وليبيا؟

حتى الآن، يبدو أن فرنسا اختارت التريث في الشق الأول، لكنها تتفق مع إيطاليا في الشق الثاني: تقليص تدفقات الهجرة القادمة من الضفة الجنوبية للمتوسط.