الرئيسية آخر الأخبار معز الجودي : يزي، الأرواح طلعت

معز الجودي : يزي، الأرواح طلعت

0
5
blank

وجّه الخبير الاقتصادي معز الجودي انتقادات حادة إلى طريقة إدارة الدولة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والخدمات الأساسية، داعياً إلى الابتعاد عن التجاذبات السياسية والتركيز على ما يعتبره جوهر الأزمة: قدرة الدولة على ضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة اليومية للتونسيين.

وقال الجودي، في تدوينة نشرها على صفحته، إن المشكلة لم تعد في المشاريع الكبرى أو الشعارات، بل في الخدمات التي تمس حياة المواطن مباشرة.

وكتب: «خلينا من السياسة ومن المنكفات ومن الصراعات ومن المسيرات ومن الأنصار ومن المعارضين»، قبل أن يتساءل عن دولة «تخلي الضو والماء يتقصوا بصفة مستمرة منذ بداية الصيف»، ولا تتمكن من ضمان التزويد المنتظم بعدد من المواد الحيوية، في وقت يواجه فيه المواطن ارتفاعاً كبيراً في الأسعار وتراجعاً في قدرته الشرائية.

الماء… من خدمة أساسية إلى مصدر يومي للقلق

أزمة التزود بالماء الصالح للشراب أصبحت خلال صيف 2026 واحدة من أكثر الملفات إثارة للقلق.

فوفق المعطيات التي أعلنها المرصد التونسي للمياه، تم تسجيل 608 تبليغات مرتبطة باضطرابات التزويد بالمياه خلال شهر جويلية وحده، بينها 549 تبليغاً يتعلق بانقطاعات غير معلنة واضطرابات في توزيع مياه الشرب.

واللافت أن ملف الانقطاعات لم يعد مرتبطاً فقط بمناطق داخلية أو ريفية، بل طال مناطق سكنية وسياحية أيضاً، وأصبحت العائلات مطالبة بالتأقلم مع غياب الماء في فترات من اليوم، وفي بعض الحالات لفترات طويلة.

وفي 22 جويلية، بلغ الأمر حد تدخل رئاسة الجمهورية على خلفية انقطاعات في الماء والكهرباء تجاوزت في عدد من المناطق 24 ساعة، مع الدعوة إلى وضع حد لهذه الانقطاعات وإعلام المواطنين مسبقاً عند الاضطرار إلى قطع الخدمات.

والماء المعلّب… متوفر على الورق ومفقود من الرفوف

لم تتوقف أزمة المياه عند شبكة التوزيع العمومي، إذ شهدت الأسواق خلال الأسابيع الماضية اضطرابات واضحة في التزود بالمياه المعدنية والمياه المعلبة.

وتحدث مهنيون عن ارتفاع استثنائي في الطلب بسبب موجة الحر، بلغ في بعض الفترات نحو 30 بالمائة فوق المعدلات المعتادة، بالتزامن مع صعوبات في الإنتاج والتوزيع بسبب انقطاعات الكهرباء.

كما أفادت مصادر مهنية بأن جزءاً كبيراً من المخزونات الاحتياطية تم استهلاكه نتيجة الانفجار المفاجئ في الطلب، وهو ما انعكس على توفر عدد من العلامات في المتاجر والمساحات التجارية.

وفي منتصف أوت، كانت تقارير تجارية تتحدث عن تراجع كميات المياه المعدنية المتوفرة في المساحات الكبرى مقارنة بالسابق، في وقت يمكن أن ترتفع فيه الاستهلاكات الصيفية إلى أربعة أو ستة أضعاف مستويات بقية السنة.

الكهرباء… انقطاعات تضرب المنازل والمؤسسات والإنتاج

أما الكهرباء، فقد تحولت الانقطاعات خلال موجات الحر إلى أزمة متعددة الأبعاد.

ارتفاع درجات الحرارة أدى إلى انفجار الطلب على الكهرباء، بينما تعرضت الشبكة لضغط شديد، ما استدعى اللجوء إلى عمليات فصل دوري في عدد من المناطق.

وفي أحد الإشعارات الرسمية الصادرة عن الشركة التونسية للكهرباء والغاز يوم 6 أوت، تم التنبيه إلى إمكانية اللجوء إلى قطع دوري للكهرباء في عدد من مناطق الجنوب الغربي، على فترات متقطعة قد تصل إلى ساعتين للفترة الواحدة.

والأخطر أن انقطاع الكهرباء لا يعني فقط توقف أجهزة التكييف والثلاجات في المنازل، بل ينعكس مباشرة على المخابز والمصانع ومحطات ضخ المياه والمطاعم والمحلات التجارية والسياحة والخدمات الصحية.

وقد وثقت تقارير دولية تأثير الانقطاعات المتكررة للكهرباء والماء على النشاط السياحي، بما في ذلك مناطق ساحلية، حيث اضطرت مؤسسات سياحية إلى تشغيل مولدات كهربائية لمواصلة العمل.

البنزين… الطوابير تعود من جديد

ولم تكن أزمة المحروقات بعيدة عن المشهد.

ففي 20 أوت، تسبب إضراب مفاجئ لسائقي شاحنات نقل الوقود في اضطراب عمليات التوزيع وعودة الطوابير الطويلة أمام محطات البنزين في العاصمة ومناطق أخرى، مع تأثير مباشر على حركة المرور وحياة المواطنين.

وهكذا وجد المواطن نفسه أمام معادلة صعبة: ماء قد ينقطع، كهرباء قد تنقطع، مياه معدنية قد لا يجدها في المتجر، وبنزين قد يتطلب ساعات من الانتظار.

والمواد الأساسية… معركة يومية أخرى

إلى جانب الماء والكهرباء والمحروقات، يواجه المستهلك التونسي منذ فترة صعوبات متكررة في العثور على عدد من المواد الأساسية، أو يواجه ارتفاعاً في أسعارها عندما تكون متوفرة.

المشكلة، وفق هذا الطرح، لا تتعلق فقط بوجود السلعة من عدمه، وإنما أيضاً بانتظام التزويد، ووضوح المعلومة، وقدرة أجهزة الدولة على توقع الأزمات والتدخل قبل تحولها إلى طوابير واحتكار ومضاربة.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف: يبحث عن الماء، ينتظر البنزين، يتعامل مع انقطاع الكهرباء، ويواجه في الوقت نفسه ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع قدرته الشرائية.

وحتى النظافة… جزء من المشهد

إلى جانب أزمات الماء والكهرباء والمواد الأساسية، تبرز مشكلة النظافة ورفع الفضلات في عدد من المناطق، بما يجعل المواطن أمام إحساس متزايد بأن الخدمات العمومية الأساسية نفسها أصبحت عاجزة عن مواكبة حاجيات السكان.

وتزداد خطورة هذا الوضع في فصل الصيف، حيث يمكن لتراكم الفضلات وارتفاع درجات الحرارة أن يحولا الإهمال في النظافة إلى مشكلة بيئية وصحية، فضلاً عن تأثيرها المباشر على صورة المدن والمناطق السياحية.

«لا نحب قطار فائق السرعة ولا ملعب ماراكانا»

الجودي اختصر جوهر موقفه في سؤال بسيط: ماذا يريد المواطن من الدولة؟

وكتب: «لا نحبو قطار فائق السرعة، لا طائرات نفاثة، لا ملعب ماراكانا، لا قنطرة سان فرانسيسكو… إنحبو نضمنو أدنى حد من العيش السليم ومن حقوقنا كمواطنين، فقط».

ثم ختم تدوينته بعبارة تلخص حجم الغضب الاجتماعي الذي يصفه: «يزي، الأرواح طلعت!»

وتأتي هذه التصريحات في وقت أصبحت فيه أزمات الخدمات الأساسية جزءاً من النقاش العام في تونس، بعدما تجاوزت المسألة حدود الشكوى الفردية لتتحول إلى سؤال أوسع يتعلق بقدرة الدولة على التخطيط، والتدخل المبكر، وتأمين الخدمات الأساسية، والتواصل مع المواطنين في أوقات الأزمات.

فالمواطن، في النهاية، لا يطلب بالضرورة مشاريع عملاقة أو شعارات اقتصادية كبرى. يريد ببساطة أن يفتح الحنفية فيجد الماء، وأن يضغط على زر الكهرباء فتشتغل، وأن يدخل المتجر فيجد المواد الأساسية، وأن يجد الوقود عندما يحتاج إليه، وأن يعيش في مدينة نظيفة.

وهنا تحديداً تكمن الرسالة الأهم في كلام معز الجودي: حين تصبح الخدمات الأساسية نفسها مصدر قلق يومي، فإن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت أزمة ثقة في قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.

blank