أعلن رئيس مجلس إدارة أول شركة أهلية في تونس، محمد الطويل، اليوم الجمعة 14 أوت 2026، أن الإجراءات المتعلقة بإنشاء مجمع وطني للشركات الأهلية قطعت أشواطا متقدمة، مشيرا إلى أن التسمية تم حجزها وأن العمل جار لاستكمال الإطار القانوني العام والخاص بهذا الهيكل.
وأوضح الطويل أن استكمال الجانب القانوني يمثل المرحلة الأصعب، بالنظر إلى تنوع القطاعات التي تنشط فيها الشركات الأهلية، من الفلاحة والصيد البحري إلى السياحة والصناعة والخدمات، متوقعا أن ينطلق المجمع في نشاطه مع موفى سبتمبر المقبل.
وسيكون المجمع، وفق التصور المعلن، هيكلا مهنيا للتأطير والتكوين ومرافقة أصحاب الشركات الأهلية، مع العمل على المحافظة على ديمومة التجارب الناجحة وتكريمها، بما يسمح بإعطاء دفع جديد لأصحاب المبادرات والأفكار الجديدة.
من التأسيس إلى النشاط.. الفجوة الكبيرة
غير أن السؤال الأكبر الذي يطرح نفسه اليوم لا يتعلق فقط بعدد الشركات التي تم تأسيسها، بل بعدد الشركات التي نجحت فعليا في الانتقال من الأوراق والإجراءات القانونية إلى الإنتاج وتوفير مواطن الشغل وتحقيق المداخيل.
ووفق معطيات رسمية منشورة في يوليو 2026، بلغ عدد الشركات الأهلية المحدثة على المستوى الوطني 140 شركة، لم تدخل منها طور النشاط الفعلي سوى 21 شركة، مع توقع ارتفاع العدد إلى 30 شركة خلال الأشهر التالية.
وتكشف هذه الأرقام عن فجوة كبيرة بين مرحلة الإحداث ومرحلة النشاط الاقتصادي الفعلي، إذ إن جزءا مهما من الشركات التي تم الإعلان عن تأسيسها لا يزال يواجه عقبات قانونية وتمويلية وإدارية وعقارية تحول دون الانطلاق.
وتزداد أهمية هذه الملاحظة عند مقارنتها بأرقام سابقة؛ فقد أعلنت وزارة التشغيل أن عدد الشركات الأهلية بلغ 230 شركة في أكتوبر 2025، منها 60 شركة دخلت طور النشاط الفعلي، وبلغ عدد المشاركين فيها أكثر من 15 ألف شخص، فيما أحدثت هذه الشركات نحو 380 موطن شغل.
كما أشارت معطيات رسمية أخرى إلى بلوغ العدد 236 شركة إلى حدود 15 نوفمبر 2025، منها 60 شركة ناشطة فعليا.
وتطرح هذه الفوارق بين الأرقام المنشورة في 2025 والمعطيات الرسمية الأحدث في 2026 سؤالا يحتاج إلى إجابة واضحة من الجهات المشرفة: هل يتعلق الأمر بتغيير في طريقة احتساب الشركات؟ أم بإلغاء أو توقف عدد من الشركات التي سبق احتسابها ضمن الشركات المحدثة؟
الفلاحة في الصدارة
وتؤكد البيانات الرسمية أن القطاع الفلاحي يحتل موقع الصدارة داخل تجربة الشركات الأهلية، وهو ما يتقاطع مع تصريحات محمد الطويل الذي أكد أن المجال الفلاحي يستأثر بالنصيب الأكبر من الشركات التي تم إحداثها.
وتشير وثيقة برلمانية إلى أن 145 شركة أهلية من أصل 230 شركة كانت محدثة إلى أكتوبر 2025 تنشط في الفلاحة والصيد البحري وتربية الماشية.
لكن التجربة لم تعد محصورة في الفلاحة، إذ توجد شركات في النقل والثقافة والرياضة والترفيه والخدمات والصناعة والتحويل وتثمين المنتجات الغابية وغيرها.
ومن الأمثلة التي دخلت فعليا النشاط شركة أهلية في سبيطلة متخصصة في النقل الفلاحي، انطلقت بحافلتين لتأمين نقل العاملات والعمال في القطاع الفلاحي، فيما توجد تجارب أخرى في تثمين المنتجات الغابية والصناعات التقليدية والنسيج والجلود والأحذية.
التمويل.. عقدة أخرى
ولا تنفصل صعوبة الانتقال إلى النشاط الفعلي عن مشكلة التمويل.
فقد بلغ عدد الشركات الأهلية الممولة من موارد الصندوق الوطني للتشغيل 62 شركة إلى نهاية ديسمبر 2025، مع إسناد 39 إشعار تمويل.
كما تم تمديد العمل بخط التمويل المخصص للشركات الأهلية إلى موفى سنة 2027، في إطار قانون المالية لسنة 2026.
وتطرح هذه الأرقام سؤالا آخر: إذا كان عدد الشركات المحدثة بالمئات، فلماذا ظل عدد الشركات التي تمكنت من الحصول على التمويل أو الانطلاق الفعلي محدودا؟
أين المداخيل والأرباح؟
ربما تكون هذه النقطة هي الأهم في تقييم تجربة الشركات الأهلية.
فحتى الآن، لا تتوفر في المعطيات الرسمية المنشورة حصيلة مالية وطنية موحدة توضح رقم معاملات الشركات الأهلية مجتمعة، أو أرباحها الصافية، أو خسائرها، أو حجم مساهمتها في الناتج الداخلي، أو مقدار الضرائب التي دفعتها، أو قيمة ما صدرته إلى الخارج.
وهذا النقص في البيانات يجعل من الصعب الحكم اقتصاديا على التجربة بمجرد الاستناد إلى عدد الشركات المحدثة.
فالشركة الناجحة اقتصاديا لا تقاس بوجودها في السجل الوطني للمؤسسات، وإنما بقدرتها على الإنتاج، وبيع منتجاتها أو خدماتها، وتحقيق رقم معاملات، والمحافظة على مواطن الشغل، وتحقيق فائض أو أرباح، ثم إعادة ضخ جزء من هذه الأرباح في الاقتصاد المحلي.
والتشريع نفسه يفترض تحقيق الأرباح أو الفوائض، إذ ينص على تخصيص 15 بالمائة منها للمدخرات الإجبارية و20 بالمائة للأنشطة الاجتماعية والثقافية والبيئية، مع إمكانية توزيع جزء من المتبقي في حدود 35 بالمائة وفقا لقرار الجلسة العامة.
الأراضي الدولية.. الاختبار الأصعب
وفي هذا السياق، وضع محمد الطويل ملف الأراضي الدولية في صدارة أولويات المجمع الوطني المرتقب، مؤكدا ضرورة تفعيل قرار رئاسة الجمهورية المتعلق بتمكين الشركات الأهلية من الأراضي الدولية للاستثمار، ومشيرا إلى أن الملف، وفق تصريحه، ظل مجمدا لدى وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية منذ نوفمبر الماضي.
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى الشركات الفلاحية، باعتبار أن غياب العقار قد يحول شركة أهلية موجودة قانونيا إلى شركة غير قادرة على ممارسة نشاطها اقتصاديا.
وبالتالي فإن نجاح المجمع الوطني للشركات الأهلية لن يقاس فقط بقدرته على تنظيم القطاع والتكوين والتأطير، بل بقدرته على الإجابة عن الأسئلة العملية التي عطلت التجربة منذ بدايتها: من أين تأتي الأرض؟ من أين يأتي التمويل؟ كيف تدخل الشركة السوق؟ من يراقب الأداء؟ ومن ينشر نتائجها المالية؟
من مشروع سياسي إلى تجربة اقتصادية
الشركات الأهلية تأسست في تونس منذ سنة 2022 كخيار اقتصادي واجتماعي يقوم على المبادرة الجماعية والتنمية المحلية، وكان الهدف المعلن أن تكون منتجة ومربحة وقادرة على خلق مواطن الشغل.
لكن بعد سنوات من إطلاق التجربة، أصبح المطلوب الانتقال من مرحلة عدّ الشركات المحدثة إلى مرحلة قياس مردوديتها الاقتصادية.
فالمؤشر الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لن يكون عدد الشركات التي يتم الإعلان عن تأسيسها، وإنما عدد الشركات التي تنتج فعليا، وتحقق مداخيل، وتوظف العمال، وتصدر، وتحقق أرباحا، وتستطيع الاستمرار دون اعتماد دائم على التمويل العمومي.
ومن هنا تبرز أهمية المجمع الوطني الذي يجري الإعداد له: فإذا نجح في توفير التأطير والتكوين والمرافقة وفتح الأسواق وتذليل العقبات القانونية والعقارية والتمويلية، فقد يتحول إلى أداة لإنقاذ التجارب الجادة.
أما إذا ظل دوره مقتصرا على التكوين والتنظيم والاحتفال بالتجارب الناجحة، دون نشر مؤشرات مالية دقيقة وشفافة، فإن السؤال سيظل قائما: كم شركة أهلية تعمل فعلا؟ وكم منها تحقق أرباحا؟ وكم من الأموال العمومية ضُخت فيها؟ وماذا عادت به هذه الأموال على الاقتصاد التونسي؟
وهذه هي الأرقام التي ستحدد في النهاية ما إذا كانت الشركات الأهلية قد تحولت فعلا إلى نموذج اقتصادي قادر على خلق الثروة، أم أنها ما تزال في مرحلة البحث عن الطريق إلى النشاط والإنتاج.



