شهدت منطقة المزيرعة التابعة لمعتمدية المتلوي من ولاية قفصة، مساء الخميس 13 أوت 2026، حادثة نفوق جماعي مفاجئة طالت أكثر من 150 رأسًا من الأغنام والماعز، في واقعة أثارت مخاوف الأهالي والمربين بشأن سلامة الموارد المائية في المنطقة.
ووفق المعطيات الأولية المتوفرة، تحولت المصالح البيطرية، بالتنسيق مع خلية الإرشاد الفلاحي بالمتلوي، إلى موقع الحادث فور إشعارها، حيث تمت معاينة الحيوانات النافقة وسحب عينات لإرسالها إلى المخابر المختصة، بهدف تحديد السبب الفعلي للنفوق.
وتشير شهادات من راعي القطيع وعدد من سكان المنطقة، إلى جانب معطيات محلية، إلى احتمال أن تكون الحيوانات قد شربت من مياه ملوثة، فيما تتداول فرضية ارتباط التلوث بفضلات أو مخلفات مرتبطة بنشاط غسل الفسفاط. لكن هذه الفرضية لا يمكن علميًا اعتبارها سببًا للنفوق قبل صدور نتائج التحاليل.
ماذا يمكن أن يحدث علميًا عند شرب الحيوانات مياه ملوثة؟
إذا ثبت أن مصدر المياه كان ملوثًا بمخلفات صناعية مرتبطة بالفسفاط، فإن التأثير على الحيوانات يمكن أن يتراوح بين اضطرابات هضمية وتسممات حادة، بحسب طبيعة المادة الملوثة وتركيزها ومدة التعرض.
فالمياه المتأثرة بالأنشطة التعدينية والصناعية قد تحمل، حسب طبيعة الموقع ومصدر التلوث، أملاحًا ومواد كيميائية وعناصر معدنية يمكن أن تكون ضارة عند تجاوزها حدودًا معينة.
لكن مجرد وجود الفسفاط أو مخلفات غسله في المياه لا يعني تلقائيًا أنها سامة. فالتركيب الكيميائي للمياه، وتركيز الملوثات، ودرجة الحموضة، ومدة بقاء المياه، والكمية التي شربتها الحيوانات، كلها عوامل حاسمة في تحديد مستوى الخطر.
وهنا تكمن أهمية العينات التي تم رفعها من موقع الحادث.
لماذا يمكن أن تنفق عشرات الحيوانات في وقت قصير؟
النفوق الجماعي المفاجئ يختلف علميًا عن حالات المرض الفردية.
عندما تنفق أعداد كبيرة من الحيوانات في المكان نفسه وخلال فترة زمنية قصيرة، فإن أحد الاحتمالات التي يجب استبعادها سريعًا هو التسمم الجماعي أو التعرض لمصدر مشترك للملوثات.
وفي هذه الحالة يمكن أن يكون المصدر المشترك مياه الشرب أو الغذاء.
فإذا شرب القطيع بأكمله من مورد مائي واحد ملوث بمادة سامة بتركيز مرتفع، فإن المادة تصل إلى عدد كبير من الحيوانات في فترة قصيرة، وهو ما يمكن أن يفسر ظهور حالات نفوق متزامنة.
لكن هذا السيناريو ليس الاحتمال الوحيد.
فالنفوق الجماعي يمكن أن يكون مرتبطًا أيضًا بأمراض معدية شديدة، أو تسمم غذائي، أو نباتات سامة، أو مبيدات زراعية، أو مواد كيميائية أخرى، أو حتى ظروف بيئية قاسية، ولذلك فإن التحاليل المخبرية والتشريح البيطري ضروريان قبل تحديد المسؤولية أو مصدر التسمم.
وماذا عن مخلفات غسل الفسفاط؟
هذه هي النقطة الأكثر حساسية في حادثة المتلوي.
إذا كانت المياه التي وصلت إليها الحيوانات مرتبطة فعلًا بمخلفات نشاط غسل الفسفاط، فإن التحقيق العلمي يجب ألا يقتصر على فحص الحيوانات النافقة، وإنما ينبغي أن يشمل المياه التي شربت منها الحيوانات، والتربة المحيطة، ومصدر المياه، والرواسب، وربما النباتات التي تناولها القطيع.
ويصبح من المهم أيضًا مقارنة نتائج هذه العينات بالمعايير المعتمدة لجودة المياه الموجهة للحيوانات.
ذلك أن إثبات وجود مادة ملوثة في الحيوان وحده لا يكفي بالضرورة لإثبات مصدرها؛ إذ يجب الربط بين المادة المكتشفة، وتركيزها، ومصدرها المحتمل، والأعراض المسجلة، والزمن الذي ظهرت فيه، ونوعية المياه أو الغذاء الذي تعرض له القطيع.
تحليل الحيوانات النافقة قد يكشف الحقيقة
العينات التي أخذتها المصالح البيطرية يمكن أن تقدم مؤشرات حاسمة.
فالتحاليل قد تبحث، بحسب الأعراض والاشتباه الأولي، عن آثار لمواد سامة أو معادن أو مركبات كيميائية، إلى جانب البحث عن مسببات الأمراض.
وقد يكون التشريح المرضي مهمًا أيضًا لتحديد طبيعة الأضرار التي لحقت بالأعضاء، خصوصًا الكبد والكلى والجهاز الهضمي والجهاز العصبي، لأن بعض أنواع التسمم تترك أنماطًا مرضية يمكن أن تساعد في توجيه التحاليل.
لكن ينبغي التنبيه إلى أن غياب مادة سامة من بعض العينات لا ينفي دائمًا حدوث التسمم، لأن بعض المركبات تتحلل أو تطرح من الجسم بسرعة، كما أن اختيار العينة وتوقيت أخذها وطريقة حفظها عوامل مؤثرة في النتيجة.
الماء يجب أن يخضع للتحليل أيضًا
إذا كانت فرضية المياه الملوثة هي الأقرب مبدئيًا، فإن السؤال العلمي الأهم ليس فقط: ماذا وجدنا في الأغنام والماعز؟
بل أيضًا: ماذا كانت تشرب هذه الحيوانات؟
لذلك يفترض أن تشمل عملية التقصي عينات من مورد المياه الذي قصده القطيع، مع تحليل الخصائص الفيزيائية والكيميائية والميكروبيولوجية، والبحث عن الملوثات التي يمكن أن تكون مرتبطة بالنشاط الصناعي أو الزراعي في المنطقة.
كما يجب تحديد ما إذا كان هناك مصدر صرف أو تسرب أو تصريف غير مراقب يمكن أن يكون قد وصل إلى المورد المائي.
وهنا فقط يمكن الانتقال من مجرد الاشتباه إلى بناء علاقة سببية مدعومة بالتحاليل.
لماذا لا يجوز إعلان « التسمم » قبل صدور النتائج؟
النفوق المفاجئ لأكثر من 150 رأسًا يمثل حادثة خطيرة، لكن علميًا لا يمكن الجزم بأن السبب هو التلوث قبل ظهور النتائج.
فالقول إن الحيوانات « تسممت بمياه ملوثة بفضلات مغسلة الفسفاط » يحتاج إلى إثبات مخبري وبيئي، وليس فقط إلى تزامن الحادث مع وجود نشاط صناعي قريب.
وفي المقابل، فإن فرضية التلوث لا ينبغي التقليل من شأنها، خصوصًا إذا ثبت أن الحيوانات شربت من مورد مائي واحد وأن حالات النفوق ظهرت بصورة متقاربة زمنيًا.
لذلك فإن أفضل توصيف للحادث في هذه المرحلة هو: نفوق جماعي مجهول المصدر مع اشتباه في تسمم أو تعرض لمصدر مائي ملوث، في انتظار نتائج التحاليل.
حادثة المتلوي تفتح ملف المياه والثروة الحيوانية
بعيدًا عن السبب النهائي للنفوق، فإن الحادثة تطرح مسألة أوسع تتعلق بحماية الموارد المائية والثروة الحيوانية في المناطق التي تتداخل فيها الأنشطة الفلاحية مع النشاط المنجمي والصناعي.
فإذا أثبتت التحاليل وجود تلوث في المياه، فإن الأمر لن يكون مجرد حادث نفوق قطيع، بل سيصبح من الضروري تحديد مصدر التلوث، ومسؤوليته، ومدى انتشاره، وتأثيره المحتمل على الحيوانات والإنسان والبيئة المحيطة.
أما إذا أظهرت النتائج أن المياه غير مسؤولة عن النفوق، فسيكون من الضروري تحديد العامل الحقيقي، سواء كان مرضًا معديًا أو تسممًا غذائيًا أو مادة كيميائية أخرى.
في الحالتين، لا يمكن أن تكون الخلاصة العلمية مبنية على التخمين.
فأكثر من 150 رأسًا نفقت خلال فترة وجيزة، والآن الكرة في ملعب التحاليل: هل نحن أمام تسمم جماعي بسبب مصدر مائي ملوث، أم مرض وبائي، أم مادة سامة أخرى؟
وحدها النتائج المخبرية، مدعومة بفحص المياه والبيئة المحيطة، قادرة على تحويل الشبهة إلى حقيقة.



