تثير التطورات الأمنية الأخيرة في غرب ليبيا، ولا سيما استخدام الطائرات المسيّرة لضرب أهداف في منطقة الزاوية، مخاوف مشروعة بشأن انعكاس حالة التوتر على دول الجوار، وفي مقدمتها تونس. غير أن الانتقال من هذه الوقائع إلى الحديث عن أن «تونس والجزائر وليبيا على حافة الانفجار» أو الإيحاء بأن الضربة المقبلة قد تكون على الأراضي التونسية، يبدو في الوقت الراهن تهويلًا لا تسنده معطيات معلنة.
فالمشهد الليبي، رغم خطورته، لا يعني تلقائيًا انتقال المواجهة إلى الأراضي التونسية. وحتى الآن، لا توجد معطيات موثوقة تثبت وجود مخطط لاستهداف تونس بالطائرات المسيّرة، كما أن الهجمات التي شهدتها الزاوية لا تعني أن المجال الجوي التونسي أصبح مهددًا بصورة مباشرة.
تونس ليست في موقع الدولة المكشوفة
الأهم في قراءة هذا التطور هو عدم تجاهل التحول الكبير الذي عرفته منظومة حماية الحدود التونسية خلال السنوات الأخيرة.
فقد استثمرت تونس، بالتعاون مع شركاء دوليين، في بناء منظومة متطورة لمراقبة حدودها، وخاصة الحدود الجنوبية والجنوبية الشرقية المحاذية لليبيا. وشمل هذا التعاون الولايات المتحدة وألمانيا، إلى جانب شركاء آخرين، وتضمن تجهيزات للمراقبة والاستطلاع والاتصالات والإنذار المبكر.
كما حصلت تونس على رادارات وأنظمة مراقبة أرضية وطائرات للاستطلاع والمراقبة، إضافة إلى تجهيزات وأجهزة استشعار تساعد القوات التونسية على رصد التحركات غير العادية في المناطق الحدودية.
ولم يتوقف التعاون عند ما تم إنجازه خلال السنوات الماضية، بل يتواصل تحديث هذه المنظومة. ففي سنة 2026، وافقت الولايات المتحدة على صفقة عسكرية محتملة بقيمة 95 مليون دولار لدعم المرحلة الثالثة من مشروع أمن الحدود التونسي، بما يشمل أنظمة للمراقبة والاتصالات والقيادة والسيطرة والتكوين.
وفي هذا السياق، شاركت القوات التونسية والأمريكية خلال تمرين «الأسد الإفريقي 2026» في تدريبات على استخدام أجهزة استشعار أرضية حديثة قادرة على كشف التحركات ومراقبة مناطق واسعة.
هذه المعطيات مهمة لأنها تؤكد أن تونس لا تنتظر وصول الخطر إلى حدودها حتى تبدأ في التعامل معه، وإنما تمتلك منظومة مراقبة تم تطويرها أساسًا بسبب طبيعة التهديدات القادمة من المنطقة الحدودية مع ليبيا.
الخطر موجود.. لكن لا داعي لصناعة خطر آخر
لا يعني ذلك أن تونس محصنة ضد كل الاحتمالات. فالحدود الطويلة مع ليبيا تفرض يقظة دائمة، والتطور السريع في استخدام الطائرات المسيّرة في المنطقة يستوجب بلا شك متابعة دقيقة وتحديثًا مستمرًا للقدرات الدفاعية والأمنية.
لكن هناك فارقًا كبيرًا بين اليقظة الأمنية وإثارة الهلع.
فمن المشروع أن نسأل: ماذا لو توسع استخدام المسيّرات في ليبيا؟ وهل تمتلك تونس القدرات اللازمة لرصد أي تهديد محتمل؟ لكن من غير المشروع إعلاميًا تحويل هذه الأسئلة إلى توقعات قطعية من نوع «الضربة القادمة ستكون في تونس» من دون دليل.
كما أن الطائرات المسيّرة التي استُخدمت في الهجمات على أهداف ليبية لا تعني تلقائيًا أن الجهة التي تقف وراءها تملك القدرة أو الرغبة أو المصلحة في استهداف تونس.
حدود تونس ليست فراغًا أمنيًا
الواقع أن منظومة حماية الحدود التونسية تم بناؤها تحديدًا على أساس مواجهة التهديدات غير التقليدية، من الإرهاب والتهريب إلى التسلل والتحركات المسلحة.
وتونس استفادت في ذلك من دعم تقني وتدريبي وتجهيزي من شركائها، خصوصًا الولايات المتحدة وألمانيا. وبالتالي فإن تصوير الحدود التونسية وكأنها منطقة مفتوحة أمام أي طائرة مسيّرة قادمة من ليبيا هو تبسيط مفرط للواقع الأمني.
والأهم أن التعاون العسكري والأمني بين تونس وشركائها لا يقتصر على المعدات، بل يشمل التدريب وتبادل الخبرات والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والإنذار المبكر.
تونس تراقب.. ولا داعي للهلع
ما يحدث في ليبيا يستحق المتابعة واليقظة، خصوصًا أن دخول المسيّرات بشكل متزايد في النزاعات المسلحة يغير طبيعة المخاطر الأمنية في المنطقة.
لكن تونس اليوم ليست تونس التي كانت عليها قبل سنوات. هناك منظومة مراقبة حدودية متطورة، تعاون دولي مستمر، تجهيزات حديثة، وتدريب متواصل للقوات التونسية.
لذلك فإن الحديث عن أن تونس «على حافة الانفجار» بسبب التطورات في الزاوية، أو الإيحاء بأن الطائرات المسيّرة ستنتقل حتمًا من ليبيا إلى الأراضي التونسية، لا يبدو مستندًا إلى معطيات كافية، بل يدخل أكثر في باب التهويل الإعلامي.
اليقظة مطلوبة، نعم. رفع مستوى المراقبة، نعم. تطوير قدرات مواجهة المسيّرات، بالتأكيد.
أما الخوف من حرب ستنتقل غدًا إلى تونس، فلا دليل عليه حتى الآن.
تونس تراقب ما يحدث على حدودها، وتملك من الشراكات والقدرات والمنظومات ما يجعل التعامل مع أي تهديد محتمل مسألة أمنية قابلة للإدارة، لا مقدمة لانفجار إقليمي حتمي.



