الرئيسية آخر الأخبار آرام بالحاج :يسأل انخفاض البطالة هل يعني تحسن سوق الشغل

آرام بالحاج :يسأل انخفاض البطالة هل يعني تحسن سوق الشغل

0
7
البطالة في تونس
البطالة في تونس

قد يبدو الرقم للوهلة الأولى إيجابيا: نسبة البطالة في تونس تراجعت إلى 14.9% خلال الثلاثي الثاني من سنة 2026، مقابل 15% خلال الثلاثي الأول، كما انخفض عدد العاطلين عن العمل من 641.7 ألفا إلى 622.4 ألف شخص، أي بتراجع قدره 19.3 ألف عاطل.

لكن وراء هذا الرقم الذي قد يوحي بتحسن سوق الشغل، تختبئ صورة أكثر تعقيدا، وربما أكثر إثارة للقلق.

فبحسب قراءة الخبير الاقتصادي أرام بلحاج، فإن انخفاض البطالة لا يمكن تفسيره فقط بإحداث مواطن شغل جديدة أو بانتعاش حقيقي في الاقتصاد. والأهم أن نسبة النشاط الاقتصادي تراجعت إلى 44.7%، بما يعني أن آلاف الأشخاص غادروا سوق العمل ولم يعودوا يحتسبون ضمن العاطلين.

وهنا تكمن المفارقة: يمكن أن تنخفض البطالة لأن الناس وجدوا عملا، ولكن يمكن أن تنخفض أيضا لأن عددا منهم توقف عن البحث عن العمل. وفي الحالة الثانية، يكون تحسن المؤشر الإحصائي أقل تفاؤلا بكثير من الواقع الاقتصادي والاجتماعي.

19 ألف عاطل أقل… لكن ماذا عن الذين غادروا سوق العمل؟

المعهد الوطني للإحصاء أعلن أن عدد العاطلين انخفض بـ19.3 ألف شخص بين الثلاثيين الأول والثاني من سنة 2026. وهو رقم إيجابي في ظاهره، لكن قراءة هذا التطور تستوجب وضعه في سياق معدل النشاط.

فإذا كان سوق العمل قادرا فعلا على خلق فرص شغل جديدة واستيعاب الباحثين عن العمل، فإن انخفاض البطالة يفترض أن يترافق مع ارتفاع أو استقرار واضح في نسبة النشاط. أما عندما تتراجع نسبة النشاط، فإن السؤال يصبح مشروعا: هل وجد العاطلون وظائف أم أن جزءا منهم انسحب ببساطة من سوق العمل؟

وهذا تحديدا ما يجعل الاحتفاء بنسبة 14.9% وحدها أمرا غير كاف لفهم حقيقة سوق الشغل التونسية.

بطالة الخريجين تكشف الوجه الآخر

الأكثر دلالة ربما هو وضع حاملي الشهائد العليا.

ففي الوقت الذي تراجعت فيه نسبة البطالة العامة، ارتفعت بطالة حاملي الشهائد العليا من 24.2% إلى 26.6% خلال الثلاثي الثاني من سنة 2026.

والأرقام تصبح أكثر إثارة للقلق عند تفكيكها حسب الجنس: تبلغ البطالة بين حاملي الشهائد العليا 14.2% لدى الرجال مقابل 35.6% لدى النساء.

أي أن الاقتصاد التونسي، حتى عندما يسجل تحسنا في المؤشر العام للبطالة، ما يزال عاجزا عن توفير فرص العمل الكافية لفئة يفترض أن تكون من أكثر الفئات تأهيلا وقدرة على المساهمة في الاقتصاد.

وهنا تبرز مفارقة أخرى: تونس تستثمر سنوات طويلة في تكوين خريجين جامعيين، ثم يجد جزء كبير منهم نفسه خارج سوق العمل أو عاجزا عن العثور على وظيفة تتناسب مع مؤهلاته.

الشباب… تحسن في الرقم لا يحسم المشكلة

حتى بطالة الشباب، رغم تراجعها من 37.5% إلى 35.4%، لا تسمح وحدها بإعلان انتصار على أزمة التشغيل.

فنسبة تتجاوز 35% تعني أن أكثر من ثلث الشباب المشاركين في سوق العمل لا يجدون وظيفة. كما أن بطالة الشابات تظل أعلى من الشباب، إذ بلغت 37.1% مقابل 34.6% لدى الذكور.

وبالتالي فإن تونس لا تواجه فقط مشكلة بطالة عددية، وإنما تواجه مشكلة أعمق تتعلق بقدرة الاقتصاد على دمج الشباب والنساء والخريجين في دورة إنتاج حقيقية ومستدامة.

اقتصاد ينمو… ولكن بأي محركات؟

هذه المعطيات تأتي في وقت سجل فيه الاقتصاد التونسي خلال الثلاثي الثاني من سنة 2026 نموا سنويا في حدود 2.3%.

غير أن قراءة مكونات هذا النمو تكشف أن الصورة ليست مريحة بالكامل. فالنمو يعتمد بدرجة مهمة على الفلاحة والبناء، في حين سجل قطاع الطاقة والمناجم انكماشا بـ1.7%، بينما بقيت الصناعات المعملية في وضعية ركود.

وهذا سؤال جوهري بالنسبة إلى سوق الشغل: ليس المهم فقط أن ينمو الاقتصاد، وإنما كيف ينمو وأين يخلق القيمة ومواطن الشغل.

فالنمو الذي يعتمد على قطاعات محددة أو ظرفية لا يكفي وحده لمعالجة البطالة الهيكلية، خصوصا عندما يكون الاقتصاد عاجزا عن إعادة تشغيل قطاعات صناعية وطاقة ومناجم قادرة على توفير وظائف ذات إنتاجية أعلى واستيعاب الكفاءات.

الواردات تنمو أسرع من الصادرات

وتزداد الصورة تعقيدا مع اتساع العجز الخارجي، في ظل نمو الواردات بنسبة 11.2% مقابل ارتفاع الصادرات بنسبة 10.4%.

الفارق قد يبدو محدودا، لكنه يعكس مشكلة أعمق: الاقتصاد يحتاج إلى استيراد أكثر مما يستطيع أن يوسع قدرته التصديرية.

وهذا يعني أن جزءا من النمو لا يزال غير مدعوم بما يكفي بزيادة القدرة الإنتاجية والتنافسية للاقتصاد التونسي.

وبعبارة أخرى، لا يمكن بناء تحسن مستدام في سوق الشغل على اقتصاد يعاني في الوقت نفسه من اختلالات هيكلية في الإنتاج والطاقة والتصدير.

الرقم الذي يجب أن يقلقنا ليس 14.9% فقط

لذلك فإن اختزال وضع سوق الشغل في نسبة البطالة العامة قد يقود إلى قراءة خاطئة.

فالرقم 14.9% مهم، لكنه لا يقول كل شيء.

هناك في المقابل نسبة نشاط تتراجع، وبطالة خريجين ترتفع، وفجوة كبيرة بين الرجال والنساء، وبطالة شبابية لا تزال تتجاوز 35%، واقتصاد ينمو بوتيرة ضعيفة نسبيا ويعتمد على قطاعات لا تستطيع وحدها معالجة الاختلالات الهيكلية.

لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن تطرحه تونس ليس: لماذا انخفضت البطالة؟

بل: هل أصبحت تونس فعلا تخلق ما يكفي من مواطن الشغل الجيدة، أم أن جزءا من التحسن في المؤشر ناتج عن انسحاب تونسيين من سوق العمل؟

الفرق بين السؤالين كبير جدا.

فإذا كان انخفاض البطالة نتيجة خلق وظائف جديدة، فذلك تطور إيجابي ينبغي البناء عليه. أما إذا كان جزء منه ناتجا عن تراجع المشاركة في سوق العمل، فإن الرقم يصبح أقرب إلى مرونة إحصائية تخفي هشاشة اقتصادية.

وفي النهاية، تحتاج تونس إلى أكثر من تحسين رقم البطالة. هي تحتاج إلى إعادة تنشيط اقتصادها، وخلق نمو قادر على إنتاج وظائف ذات قيمة، وإعادة الاعتبار للصناعة والطاقة والاستثمار، وربط منظومة التعليم والتكوين بحاجات المؤسسات، وفتح آفاق حقيقية أمام الشباب والخريجين والنساء.

عندها فقط يصبح انخفاض البطالة دليلا فعليا على تحسن سوق الشغل، لا مجرد رقم إيجابي في نشرية إحصائية.