الرئيسية آخر الأخبار 30 امرأة في سنة واحدة.. وبعد أيام من تقرير العنف: جرائم قتل...

30 امرأة في سنة واحدة.. وبعد أيام من تقرير العنف: جرائم قتل جديدة تعيد فتح ملف حماية النساء في تونس

0
3
blank

لم تمر سوى أيام قليلة على صدور التقرير السنوي حول جرائم تقتيل النساء في تونس، حتى عاد الملف إلى الواجهة من جديد، وهذه المرة بجرائم دموية متتالية أعادت طرح السؤال الأكثر إلحاحاً: إلى أي مدى تنجح منظومة الحماية في منع العنف ضد النساء من الوصول إلى نقطة اللاعودة؟

ففي 12 أوت 2026، قدمت جمعية «أصوات نساء» تقريرها السنوي حول جرائم تقتيل النساء لسنة 2025، كاشفة عن تسجيل 30 جريمة تقتيل و5 محاولات قتل استهدفت النساء خلال سنة واحدة، وهي حصيلة وصفت بأنها الأعلى منذ بدء الرصد سنة 2018.

والأكثر إثارة للقلق أن الأرقام تكشف منحى تصاعدياً على امتداد السنوات. فقد رصدت الجمعية 6 جرائم سنة 2018، و25 سنة 2023، و29 سنة 2024، ثم 30 جريمة سنة 2025.

أي أن الرقم الذي كان قبل سنوات يُرصد في خانة الحوادث المتفرقة، أصبح اليوم رقماً سنوياً يفرض التعامل معه باعتباره مؤشراً اجتماعياً خطيراً يحتاج إلى الوقاية وليس فقط إلى العقاب بعد وقوع الجريمة.

30 جريمة.. ثم جرائم جديدة

المفارقة أن التقرير الذي كشف هذه الأرقام لم يضع حداً للنقاش، بل جاءت الوقائع الجديدة لتمنحه بعداً أكثر إلحاحاً.

ففي 16 أوت، اهتزت الحامة من ولاية قابس على وقع جريمة أودت بحياة امرأة بعد تعرضها لاعتداء بالطعن، وفق المعطيات الأولية المتداولة حول القضية. وأشارت تقارير إلى أن الضحية، مريم عامر، أم لطفلين، وكانت قد قضت فترة في العناية المركزة قبل وفاتها.

ثم جاءت جريمة أخرى في برج الطويل يوم 17 أوت، في ظرف زمني لا يتجاوز ساعات قليلة، وفق المعطيات المتداولة حول القضية.

وفي كل مرة تتكرر الأسئلة نفسها: هل كانت هناك مؤشرات سابقة على الخطر؟ هل سبق للضحية أن تعرضت للعنف أو التهديد؟ هل كانت هناك شكايات أو إشعارات؟ وهل كانت آليات الحماية قادرة على التدخل قبل وقوع الجريمة؟

هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بصورة عامة، بل تحتاج إلى التحقيق في كل ملف على حدة، لكن تكرار الجرائم يجعل طرحها أكثر من ضرورة.

العنف لا يبدأ بالسكين

أخطر ما تكشفه جرائم قتل النساء هو أن الجريمة غالباً لا تبدأ لحظة حمل السلاح أو توجيه الطعنات.

وراء عدد من جرائم القتل توجد، قبل الجريمة، حلقات من العنف الأسري أو التهديد أو السيطرة أو الإهانة أو الملاحقة أو الاعتداء الجسدي.

ولهذا فإن التعامل مع جريمة قتل امرأة باعتبارها حادثة جنائية منفصلة قد يخفي جانباً مهماً من المشكلة.

المطلوب هو النظر إلى المسار الذي سبق الجريمة: متى بدأ العنف؟ ومتى ظهرت أولى علامات الخطر؟ ومتى كان يمكن التدخل؟

وهنا تحديداً تصبح فعالية القانون عدد 58 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة مرتبطة ليس فقط بالعقوبة التي تنتظر الجاني، وإنما بقدرة المؤسسات على اكتشاف الخطر وحماية الضحية في الوقت المناسب.

منظومة قانونية موجودة.. لكن ماذا عن الوقاية؟

تونس تمتلك إطاراً قانونياً ومؤسساتياً لمناهضة العنف ضد المرأة، كما تم إحداث وحدات مختصة بالبحث في جرائم العنف ضد المرأة والطفل، إلى جانب مراكز إيواء للنساء ضحايا العنف وأطفالهن. وتشير معطيات منشورة بمناسبة اليوم الوطني للمرأة إلى وجود 131 وحدة مركزية وجهوية ونحو 16 مركز إيواء.

لكن وجود هذه المؤسسات لا ينهي السؤال.

فالمقياس الحقيقي لنجاعة منظومة الحماية ليس عدد النصوص القانونية أو الوحدات أو المراكز فقط، وإنما قدرتها على الوصول إلى المرأة قبل أن تتحول حالة العنف إلى حالة قتل.

بعبارة أخرى، لا يكفي أن تكون الدولة قادرة على محاسبة الجاني بعد الجريمة؛ المطلوب أن تكون قادرة على حماية الضحية قبلها.

عندما يصبح المنزل مكاناً للخطر

تزداد خطورة جرائم قتل النساء عندما يكون المعتدي شخصاً قريباً من الضحية.

فالمرأة قد تكون أمام شخص تعرفه، تعيش معه، أو سبق أن عاش معها، وهو ما يجعل اكتشاف الخطر والتعامل معه أكثر تعقيداً.

وفي هذه الحالات يصبح العنف الأسري قضية أمنية واجتماعية وقضائية في الوقت نفسه.

كما أن وجود أطفال في بعض هذه الجرائم يجعل آثار الجريمة تتجاوز الضحية المباشرة، لتصل إلى أسرة كاملة تحمل آثار فقدان الأم أو مشاهدة العنف أو العيش في بيئة مليئة بالخوف.

من 6 جرائم إلى 30.. ماذا تقول الأرقام؟

الرقم الأكثر دلالة في تقرير «أصوات نساء» ليس فقط 30 جريمة خلال سنة 2025، بل المسار الذي أوصل إلى هذا الرقم.

من 6 جرائم سنة 2018 إلى 25 سنة 2023، ثم 29 سنة 2024، وصولاً إلى 30 سنة 2025.

هذه الأرقام لا تسمح وحدها بإثبات أن كل ارتفاع سببه عامل واحد، ولا يمكن تحميل القانون أو مؤسسة بعينها مسؤولية هذه الجرائم دون دراسة دقيقة.

لكنها تكفي لطرح سؤال سياسي واجتماعي واضح:

لماذا لم تنجح كل إجراءات الوقاية والتوعية والحماية القانونية في وقف هذا المنحى؟

والسؤال الأهم: هل تمتلك تونس حتى الآن إحصائيات رسمية موحدة تسمح للدولة والمجتمع بفهم الظاهرة والتدخل فيها بناء على بيانات دقيقة؟

فجمعية «أصوات نساء» نفسها أشارت إلى أهمية سد فجوة البيانات المتعلقة بجرائم تقتيل النساء، وهو ما دفعها إلى تطوير منصة لرصد هذه الجرائم.

خطر آخر.. خطاب الكراهية ضد النساء

وفي الوقت الذي تتوالى فيه جرائم قتل النساء، يتصاعد أيضاً النقاش حول الخطاب الموجه ضد المرأة في الفضاء الرقمي.

وقد أثارت الناشطة الحقوقية روضة الحجي مسألة ما وصفته بحملات تشويه ونقمة على النساء وعلى مجلة الأحوال الشخصية، مطالبة النيابة العمومية بالنظر في ما تعتبره صفحات محرضة على البغض ضد المرأة.

وهنا تبرز معادلة دقيقة: حرية التعبير حق، لكنها لا تعني بالضرورة حماية التهديد أو التحريض على العنف والكراهية.

وفي المقابل، فإن أي تدخل قضائي يجب أن يقوم على محتوى محدد وأفعال واضحة وأحكام القانون، لا على مجرد اختلاف في المواقف أو الآراء.

لكن تجاهل خطاب التحريض، متى ثبتت أركانه القانونية، يمكن أن يساهم في خلق مناخ تصبح فيه الإساءة إلى النساء أمراً عادياً، وهو ما يجعل التصدي له جزءاً من معركة أوسع ضد العنف.

بعد تقرير 13 أوت.. ماذا بعد؟

كان من المفترض أن يكون اليوم الوطني للمرأة مناسبة لاستعراض المكاسب التي حققتها المرأة التونسية، لكن الأرقام والوقائع الجديدة تفرض على الدولة والمجتمع الانتقال من الاحتفاء بالمكاسب إلى حماية ما تحقق ومنع التراجع عنه.

30 جريمة تقتيل في سنة واحدة ليست مجرد رقم.

و5 محاولات قتل ليست رقماً هامشياً.

وإذا أضيفت إليها الجرائم التي وقعت في 2026، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً حول قدرة منظومة الوقاية والحماية على وقف النزيف.

المطلوب اليوم ليس فقط رفع سقف العقوبات بعد وقوع الجريمة، وإنما مراجعة كل المسار الذي يسبقها: التبليغ، تقييم مستوى الخطورة، تنفيذ قرارات الحماية، سرعة التدخل، الإيواء، المرافقة النفسية والاجتماعية، والتنسيق بين مختلف المؤسسات.

السؤال الذي لا يمكن تأجيله

كل امرأة تُقتل بعد تعرضها للعنف تفتح ملفاً جديداً، لكن الأهم هو ألا يبدأ التحقيق مع المؤسسات بعد العثور على الجثة فقط.

فالسؤال الحقيقي ليس:

كم امرأة ستُقتل في السنة المقبلة؟

بل:

كم امرأة يمكن إنقاذها قبل أن تصبح رقماً جديداً في الإحصائيات؟

وبينما تكشف الأرقام أن 2025 سجلت أعلى حصيلة منذ بداية رصد جرائم تقتيل النساء، جاءت جرائم جديدة بعد أيام فقط من نشر التقرير لتؤكد أن القضية لم تعد تحتمل المعالجة الموسمية.

إن حماية النساء ليست مسؤولية الجمعيات وحدها، ولا الأمن والقضاء وحدهما، ولا الأسرة وحدها.

إنها مسؤولية دولة ومجتمع كاملين.

وإذا كان القانون عدد 58 قد وضع الإطار، فإن التحدي الحقيقي اليوم هو تحويل ذلك الإطار إلى حماية فعلية تصل إلى المرأة قبل فوات الأوان.