الرئيسية اقتصاد « طباعة النقود أم طباعة الأزمات؟.. الجدل يعود حول دور البنك المركزي في...

« طباعة النقود أم طباعة الأزمات؟.. الجدل يعود حول دور البنك المركزي في إنقاذ الاقتصاد »

0
7
blank

ارتبط في النقاش العام مفهوم تمويل البنك المركزي بصورة مباشرة بفكرة « طباعة النقود » وما يرافقها من مخاوف من انفلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية.

غير أن الخبير الاقتصادي عبد الباسط السماري يدعو إلى تجاوز هذه المقاربة المبسطة، معتبراً أن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمصدر التمويل، بل بالوجهة التي ستُستخدم فيها الأموال.

ويطرح السماري رؤية تقوم على التمييز بين نوعين من التمويل: تمويل يذهب إلى الاستهلاك وتغطية النفقات الجارية، وتمويل يوجّه نحو خلق أصول إنتاجية قادرة على توليد الثروة.

ليست كل زيادة في الكتلة النقدية تضخماً

وفق هذه الرؤية، فإن ضخ أموال جديدة في الاقتصاد لا يؤدي آلياً إلى ارتفاع الأسعار. فالنتيجة ترتبط بقدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات مقابل الأموال الجديدة المتداولة.

فعندما يتم توجيه التمويل إلى تغطية الأجور أو النفقات الإدارية أو دعم الاستهلاك، فإن حجم الأموال يرتفع دون أن يقابله توسع مماثل في الإنتاج، وهو ما قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية.

أما إذا تم توجيه التمويل، ضمن ضوابط واضحة، إلى مشاريع إنتاجية كبرى، فإن الأموال الجديدة قد تجد مقابلاً اقتصادياً حقيقياً من خلال زيادة الإنتاج وخلق القيمة المضافة.

ويأتي هذا النقاش في وقت تطرح فيه تونس تحديات كبرى مرتبطة بتمويل الاقتصاد، وسط دعوات لتعزيز الاستثمار ودعم النمو، في حين يؤكد البنك المركزي باستمرار على أهمية الحفاظ على استقرار الأسعار ضمن سياسته النقدية.

من الفسفاط إلى الطاقة.. التمويل كأداة لإنتاج الثروة

ويضرب السماري أمثلة بمشاريع يمكن أن تتحول فيها عملية التمويل إلى محرك للنمو، على غرار:

  • إعادة تأهيل قطاع الفسفاط ورفع الإنتاج والتصدير.
  • تطوير إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة بهدف تقليص كلفة واردات الطاقة.
  • الاستثمار في تحلية مياه البحر ومعالجة المياه المستعملة لدعم الأمن المائي والقطاعات المنتجة.

في هذه الحالات، لا يكون التمويل مجرد إضافة إلى حجم السيولة المتداولة، بل يصبح مرتبطاً بأصول جديدة: مصانع أكثر إنتاجية، قدرة أكبر على التصدير، تقليص الواردات، وتحسين تنافسية الاقتصاد.

تونس بين تمويل العجز وتمويل المستقبل

ويعود الجدل حول دور الدولة في التمويل إلى معضلة قديمة عاشتها تونس خلال السنوات الماضية: ارتفاع حاجيات الميزانية مقابل ضعف الاستثمار المنتج.

ويرى منتقدون لخيارات التمويل السابقة أن جزءاً مهماً من الموارد تم توجيهه إلى تغطية الالتزامات الجارية، في حين بقي الاستثمار العمومي والخاص دون مستوى الحاجة الاقتصادية. كما يحذر خبراء آخرون من أن أي تمويل مباشر للعجز دون مقابل إنتاجي قد يؤدي إلى مخاطر مرتبطة بالتضخم وتراجع قيمة العملة.

ثلاثة شروط لنجاح التمويل الاستثنائي

لكن تحويل التمويل النقدي إلى فرصة اقتصادية، حسب السماري، يبقى رهين توفر شروط أساسية:

أولاً: اختيار مشاريع ذات مردودية اقتصادية واضحة وليست مجرد إنفاق عمومي إضافي.
ثانياً: سرعة الإنجاز والشفافية والرقابة لتجنب هدر الموارد.
ثالثاً: حصر التمويل في الاستثمار المنتج وعدم استعماله لتغطية النفقات الجارية.

بين « شبح التضخم » و »تمويل النمو »

يبقى الخلاف قائماً بين من يرى أن أي توسع في تمويل البنك المركزي يحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار النقدي، وبين من يعتبر أن المشكلة ليست في خلق التمويل بل في طريقة استخدامه.

فالاقتصاد لا يحكمه حجم الأموال وحده، بل العلاقة بين السيولة والإنتاج. فإذا زادت النقود أسرع من قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات، ظهر التضخم. أما إذا رافق التمويل توسع في الإنتاج والثروة، فقد يتحول من مصدر للمخاطر إلى أداة لدفع النمو.

وفي الحالة التونسية، يبدو أن المعركة الحقيقية ليست فقط حول « من أين تأتي الأموال؟ » بل حول سؤال أكثر عمقاً: « هل ستذهب الأموال إلى استهلاك أزمة اليوم أم إلى بناء اقتصاد الغد؟ »