في مشهد يصعب العثور على مثيل له في الحياة البرلمانية، انعقدت اليوم الاثنين 27 جويلية 2026 جلسة عامة بمجلس نواب الشعب مخصصة للتداول في تداعيات الانقطاعات المتكررة للكهرباء والماء، وسط غياب ممثلي الحكومة عن الجلسة، التي كان يفترض أن تكون مناسبة لمساءلة السلطة التنفيذية والاستماع إلى توضيحاتها بشأن واحدة من أكثر الأزمات ضغطاً على التونسيين خلال الأسابيع الأخيرة.
الجلسة التي جاءت في أعقاب موجة من الانقطاعات التي مست عدداً من الجهات، وفي ظل حرارة استثنائية وضغط كبير على شبكة الكهرباء، كان يفترض أن تفتح باب النقاش حول أسباب الأزمة، ومسؤوليات الأطراف المتدخلة، والإجراءات العاجلة التي تعتزم الحكومة اتخاذها، فضلاً عن الاستراتيجية التي ستعتمدها الدولة لتجنب تكرار مثل هذه الأزمة مستقبلاً.
لكن المفارقة كانت أن الجهة التي كان يفترض أن تقدم الإجابات لم تكن حاضرة.
سيرين مرابط: ماذا سأقول إذا لم يكن هناك من يجيب؟
وفي هذا السياق، أعلنت النائبة سيرين مرابط أنها لن تتدخل في الجلسة العامة، معتبرة أن غياب رئيسة الحكومة أو من يمثلها يجعل من تدخلها البرلماني بلا جدوى حقيقية.
وقالت مرابط، في تدوينة نشرتها الاثنين على صفحتها في فيسبوك، إنها قررت، «احتراماً لنفسي ولسكان الزهور والسيجومي ولكافة الشعب التونسي»، عدم التدخل خلال الجلسة المخصصة لأزمة انقطاع الكهرباء.
وبررت النائبة موقفها بأن مداخلتها في غياب ممثل عن السلطة التنفيذية ستكون، وفق تقديرها، مجرد «مداخلة دون إجابة»، متسائلة عن جدوى إعادة سرد معاناة المواطنين وتشخيص وضع باتت تفاصيله معروفة في مختلف أنحاء البلاد.
وبحسب مرابط، فإن المواطنين لا يحتاجون اليوم إلى من يعيد عليهم وصف الأزمة، وإنما إلى من يجيب عن الأسئلة التي فرضتها: ماذا حدث؟ لماذا حدث؟ من يتحمل المسؤولية؟ وما الذي ستفعله الحكومة لمنع تكراره؟
جلسة للحديث أم جلسة للمساءلة؟
المفارقة التي كشفتها الجلسة تتجاوز غياب عدد من أعضاء الحكومة، لتطرح سؤالاً أوسع حول طبيعة الدور البرلماني نفسه.
فالجلسة لم تُدعَ أساساً لإعادة تشخيص أزمة الكهرباء والماء، إذ إن المواطن التونسي عاش تداعياتها مباشرة، وشاهد الانقطاعات المتكررة وتأثيراتها على حياته اليومية وعلى المؤسسات والأنشطة الاقتصادية.
وكان المنتظر أن تكون قاعة البرلمان فضاءً للحصول على إجابات رسمية واضحة بشأن إدارة الأزمة، ومناقشة الحلول العاجلة، والكشف عن استراتيجية الدولة في مجال الطاقة والمياه، خصوصاً بعد أسابيع من الاضطرابات التي أثارت غضباً واسعاً.
وكان مكتب مجلس نواب الشعب قد قرر عقد الجلسة العامة يوم 27 جويلية، مع تخصيص أربع دقائق لكل نائب للتدخل دون إمكانية التنازل عن الوقت.
الحكومة غائبة.. والأسئلة باقية
غياب الحكومة عن جلسة مخصصة لمناقشة أزمة بهذا الحجم يضع البرلمان أمام معادلة غير مألوفة: نواب يتحدثون عن أزمة، ومواطنون ينتظرون الحلول، لكن الطرف المعني بتقديم الإجابات غائب.
وقد انتقد رئيس كتلة «الخط الوطني السيادي» عبد الرزاق عويدات غياب ممثلي الحكومة، معتبراً أن السلطة التنفيذية كان يفترض أن تكون حاضرة لتفسير أسباب الانقطاعات وتوضيح كيفية التعامل معها، خاصة أن البرلمان كان قد أعلم الحكومة مسبقاً بموعد الجلسة.
أما رئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة، فقد أكد في افتتاح الجلسة أن البرلمان ينعقد في سياق اتسم بالانقطاعات المتكررة للكهرباء، مشدداً على أن المطلوب هو تجاوز الصعوبات والاستفادة من تجارب الدول الأخرى بهدف الإصلاح الجذري للوضع.
حين يغيب من يفترض أن يجيب
ولعل السؤال الأبرز الذي فرض نفسه اليوم ليس فقط: لماذا انقطعت الكهرباء؟
بل أيضاً: لماذا غابت الحكومة عن جلسة خصصت أصلاً لمناقشة الانقطاعات؟
ففي البرلمانات، لا تكتمل المساءلة بمجرد تسجيل حضور النواب وإلقاء المداخلات، وإنما تحتاج إلى الطرف الآخر الذي يجيب ويبرر ويعرض الحلول ويتحمل المسؤولية السياسية عن الخيارات التي اتخذتها السلطة التنفيذية.
ومن هنا جاءت خطوة سيرين مرابط اللافتة: الامتناع عن الكلام لأنها، كما تقول، لا تريد أن تتحول الجلسة إلى مجرد تكرار لما يعرفه التونسيون أصلاً.
وبذلك تحولت جلسة كان يفترض أن تكون مناسبة لمساءلة الحكومة حول أزمة الكهرباء والماء إلى مشهد سياسي شديد الدلالة: البرلمان حاضر، النواب حاضرون، الأزمة حاضرة بقوة.. أما الحكومة، فغائبة.
وهكذا قد يكون العنوان الأكثر اختصاراً للمشهد التونسي اليوم: جلسة مساءلة بلا مُساءَل.. وأسئلة كثيرة بلا إجابات.



