الرئيسية أخبار تونس شواطئ تونس بين الحق العام ومحاولات «الخوصصة»: معركة تتكرر كل صيف دون...

شواطئ تونس بين الحق العام ومحاولات «الخوصصة»: معركة تتكرر كل صيف دون حلول نهائية

0
336
blank

مع حلول كل موسم صيفي، يعود الجدل نفسه إلى الواجهة في تونس: من يملك الشاطئ؟ وهل تحولت بعض المناطق الساحلية إلى فضاءات مغلقة لفائدة نزل ومطاعم و«نوادي شاطئية» على حساب حق المواطنين في النفاذ إلى البحر؟

مشاهد تتكرر سنويًا: صفوف من المظلات والكراسي تمتد أحيانًا إلى مناطق قريبة جدًا من البحر، أعوان حراسة يمنعون بعض المصطافين من الجلوس في أماكن معينة، أو شعور عام لدى المواطنين بأن جزءًا من الشريط الساحلي أصبح عمليًا خارج متناولهم.

ورغم أن القانون التونسي واضح في هذه المسألة، فإن الإشكال الأساسي لا يكمن في غياب النصوص، بل في ضعف التطبيق والمراقبة، وهو ما يجعل النقاش يعود كل صيف من جديد دون تغيير جذري.

الشاطئ ملك عمومي وليس فضاءً خاصًا

ينص التشريع التونسي على أن الشريط الساحلي يدخل ضمن الملك العمومي البحري، وهو ملك تابع للدولة ومخصص للاستعمال العام.

وبالتالي، لا يمكن لأي مؤسسة سياحية أو مطعم أو «Beach Club» أن يصبح مالكًا للشاطئ أو أن يمنع المواطنين من الوصول إلى البحر.

ما يمكن أن تحصل عليه بعض المؤسسات هو ترخيص وقتي لاستغلال جزء من الملك العمومي البحري، عادة لوضع تجهيزات مثل المظلات والكراسي والخدمات المرتبطة بالنشاط السياحي.

لكن هذا الترخيص لا يعني امتلاك الأرض أو الرمال، ولا يمنح الحق في منع المواطنين من المرور أو السباحة أو الاستقرار في المناطق غير المخصصة للاستغلال.

أين يبدأ الإشكال؟

المشكلة تظهر عندما يتحول الاستغلال المؤقت إلى ما يشبه السيطرة الفعلية على المكان.

ففي بعض الحالات، لا تتم عملية «خصخصة» الشاطئ بطريقة مباشرة، بل عبر استغلال مناطق رمادية في التطبيق:

  • توسيع مساحة وضع المظلات والكراسي خارج الحدود المرخصة.
  • الاقتراب أكثر من اللازم من خط البحر.
  • وضع حواجز أو تجهيزات تعطي انطباعًا بأن المكان خاص.
  • الاعتماد على أعوان حراسة لمنع المواطنين من استعمال فضاءات عمومية.

وهنا تصبح المسألة مرتبطة أساسًا بالمراقبة واحترام شروط الاستغلال.

لماذا يتكرر المشكل رغم وجود القوانين؟

يرى متابعون أن أحد أسباب استمرار الظاهرة هو ضعف الرقابة الميدانية، خصوصًا خلال السنوات الأخيرة.

ففي السابق كانت المصالح المحلية، بالتنسيق مع وكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي ، تلعب دورًا أكبر في مراقبة استغلال الملك العمومي البحري في المدن السياحية.

لكن التحولات التي عرفتها الإدارة المحلية، وخاصة بعد حل المجالس البلدية سنة 2021، أثرت على آليات المتابعة اليومية، وفق تقديرات عدد من المتابعين.

كما أن طول الشريط الساحلي التونسي وتعدد المتدخلين يجعل عملية الرقابة معقدة، إذ تتداخل صلاحيات عدة جهات بين البلديات، والسلطات الجهوية، ووكالة حماية وتهيئة الشريط الساحلي، والهياكل الأمنية والإدارية.

بين الاستثمار السياحي وحق المواطن

في المقابل، يدافع أصحاب المؤسسات السياحية عن أهمية هذه الأنشطة في تحسين الخدمات وتنظيم الشواطئ.

ويشير بعضهم إلى أن وجود تجهيزات سياحية يمكن أن يساهم في نظافة الشواطئ وتحسين ظروف الاستقبال، خاصة مقارنة ببعض المناطق التي تعاني من الإهمال وانتشار الفضلات.

لكن المدافعين عن الحق العام يؤكدون أن تطوير السياحة لا يجب أن يكون على حساب مبدأ أساسي: البحر والشاطئ فضاء مشترك لجميع المواطنين.

فالمعادلة، حسب هؤلاء، ليست بين السياحة وحق المواطن، بل بين سياحة منظمة تحترم القانون وبين ممارسات تؤدي إلى إقصاء فئات من المجتمع.

أعوان الحراسة… سلطة غير موجودة قانونيًا

من أكثر النقاط التي تثير الجدل، تدخل أعوان الحراسة التابعين لبعض المؤسسات الخاصة لمنع المواطنين من الجلوس أو المرور.

وحسب المبدأ القانوني، فإن عون الحراسة الخاص لا يملك صلاحية الشرطة أو سلطة اتخاذ قرارات بشأن الملك العمومي البحري.

ولا يمكنه منع شخص من الوصول إلى منطقة عمومية إلا في الحالات التي يسمح بها القانون.

ويرى ناشطون في مجال حماية المستهلك أن بعض المواطنين يتراجعون عن حقوقهم بسبب الضغط أو تجنب الدخول في خلافات، وهو ما يسمح باستمرار بعض التجاوزات.

نصف الشاطئ يبقى للعموم؟

تتداول منظمات حماية المستهلك وهيئات مدنية قاعدة مفادها ضرورة ترك مساحة واسعة بين مناطق الاستغلال وخط البحر لفائدة العموم.

وتؤكد هذه الهيئات أن الهدف من شروط الاستغلال ليس منع الاستثمار السياحي، بل ضمان التوازن بين النشاط الاقتصادي وحق المواطنين في استعمال الساحل.

فالمنطقة القريبة من البحر يجب أن تبقى مفتوحة للعموم، لأن جوهر الملك العمومي البحري هو ضمان النفاذ الجماعي إلى الساحل.

مقارنة مع تجارب متوسطية أخرى

ليست تونس البلد الوحيد الذي يواجه هذا النقاش. ففي عدد من الدول المتوسطية مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان، تطرح منذ سنوات إشكالية توسع الأنشطة التجارية على الشواطئ.

لكن خصوصية الحالة التونسية تتمثل في أن الشاطئ يمثل جزءًا أساسيًا من الذاكرة الجماعية والحياة اليومية للمواطنين، وليس فقط موردًا سياحيًا.

ولهذا فإن أي شعور بتحول البحر إلى فضاء مرتبط بالقدرة المالية يثير ردود فعل قوية.

هل يكفي القانون؟

الإجابة التي يقدمها كثير من المتابعين هي أن تونس لا تعاني من فراغ قانوني، بل من فجوة بين النص والتطبيق.

فالمطلوب، حسب هؤلاء، لا يقتصر على إصدار قوانين جديدة، وإنما:

  • تكثيف الرقابة خلال الموسم الصيفي.
  • تحديد واضح للمساحات المرخصة لكل مستغل.
  • نشر خرائط أو علامات توضح حدود الاستغلال.
  • تطبيق العقوبات عند تجاوز التراخيص.
  • تمكين المواطن من آليات سهلة للتبليغ عن التجاوزات.

معركة تتجدد كل صيف

بين من يرى أن «الشواطئ أصبحت أكثر نظافة وتنظيمًا بفضل الاستثمار الخاص»، ومن يعتبر أن هناك تجاوزات تهدد حق التونسيين في البحر، يبقى الجدل قائمًا.

لكن الثابت أن الشاطئ في تونس ليس مجرد مساحة اقتصادية، بل هو فضاء عمومي يحمل بعدًا اجتماعيًا وبيئيًا وقانونيًا.

ومع كل صيف جديد، يعود السؤال نفسه: هل تستطيع الدولة تحقيق التوازن بين تشجيع السياحة وحماية الحق الجماعي في الساحل؟

الإجابة لا تبدو مرتبطة بغياب القوانين، بقدر ما ترتبط بمدى قدرة أجهزة الرقابة على فرض احترامها على الجميع.