الرئيسيةأخبار تونسقبل أن تؤمّموا النفط و الغاز... تمعنوا جيدا في هذه الأرقام

قبل أن تؤمّموا النفط و الغاز… تمعنوا جيدا في هذه الأرقام

بينما تبحث تونس عن كل متر مكعب إضافي من الغاز لتأمين إنتاج الكهرباء وتقليص فاتورة الطاقة، تكشف أحدث المؤشرات الرسمية عن مفارقة لافتة: قطاع الاستكشاف عن المحروقات يواصل الانكماش، في وقت أصبحت فيه البلاد أكثر حاجة إلى مواردها المحلية من النفط والغاز.

فبحلول موفى جوان 2026، تراجع العدد الجملي لرخص البحث والاستطلاع عن المحروقات إلى 12 رخصة، مقابل 15 رخصة في 2025 و16 رخصة في 2024، في حين لم تسجل الفترة أي اكتشاف جديد أو أي بئر استكشافية جديدة، مقابل تسجيل ثلاث آبار تطويرية.

وتأتي هذه الأرقام في وقت بلغت فيه نسبة الاستقلالية الطاقية 34% فقط، مقابل 38% في الفترة نفسها من سنة 2025 و44% في جوان 2024، بينما تعمق العجز التجاري الطاقي إلى نحو 7 مليارات دينار.

الصورة التي ترسمها هذه الأرقام ليست مجرد تراجع في عدد الرخص، بل تراجع في أحد أهم محركات تجديد الثروة الطاقية: الاستكشاف والحفر والبحث عن اكتشافات جديدة.

12 رخصة فقط… وخريطة تتقلص

وفق المعطيات الرسمية للمؤسسة التونسية للأنشطة البترولية، بلغ عدد رخص البحث والاستطلاع السارية 12 رخصة بموفى 2026، مقابل 15 رخصة في 2025 و16 رخصة في 2024.

وكانت تونس، وفق آخر قائمة رسمية للرخص في نهاية 2025، تضم 11 رخصة بحث ورخصة استطلاع واحدة.

وتكشف قائمة الرخص نفسها أن جزءًا من الخريطة الحالية يعود إلى سنوات بعيدة، في حين توجد رخص أخرى في مراحل مختلفة من التجديد أو في وضعيات قانونية خاصة.

ومن أبرز هذه الرخص:

جلمة، التي تمتد على مساحة 5772 كيلومترًا مربعًا، بحصة 85% للمؤسسة التونسية للأنشطة البترولية و15% لشركة «توبك»، وكانت في وضعية قوة قاهرة.

جنوب جنيّن، بمساحة 956 كيلومترًا مربعًا، مناصفة بين المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية وشركة «أو إم في»، وكانت صلاحيتها محددة إلى 19 أفريل 2026.

زعفران، بمساحة 3308 كيلومترات مربعة، مناصفة بين المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية وشركة «مازارين إنرجي»، وتمتد صلاحيتها إلى ماي 2028.

شعال، بمساحة 1384 كيلومترًا مربعًا، مملوكة بالكامل للمؤسسة التونسية للأنشطة البترولية، مع وجود طلب تجديد في انتظار الموافقة.

عريفة، مملوكة مناصفة بين المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية وشركة «واي أن جي إكسبلوريشن»، وتمتد صلاحيتها إلى ديسمبر 2027.

نفزاوة، مملوكة مناصفة بين المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية وشركة «واي أن جي إنرجي»، وتمتد صلاحيتها إلى ديسمبر 2026.

كما توجد رخص بئر عبد الله وجبيل، اللتان انتهت مدة صلاحيتهما في جويلية 2026 وكانت وضعيتهما مرتبطة بانتظار قرارات الجهات المختصة، إضافة إلى رخص بغرارة وحزوة والشابة البحرية.

blank

أما رخصة جوينت أويل فتعود إلى سنة 1989، وتبقى من أقدم الأصول الموجودة في خريطة الاستكشاف التونسية.

وهنا تظهر إحدى أهم الملاحظات: المشكلة ليست فقط في انخفاض العدد، وإنما في محدودية تدفق الرخص الجديدة وتجدد النشاط الاستكشافي.

صفر بئر استكشافية… في وقت تحتاج فيه تونس إلى الغاز

الأرقام الخاصة بالنشاط الفعلي أكثر إثارة للانتباه من عدد الرخص.

فخلال النصف الأول من 2026، لم تسجل تونس أي بئر استكشافية جديدة ولا أي اكتشاف جديد، في حين تم حفر ثلاث آبار تطويرية.

وهذا يعني أن النشاط المتواصل يتركز أكثر على تطوير أصول موجودة، وليس على البحث عن موارد جديدة.

والفرق مهم جدًا.

فالآبار التطويرية تستهدف حقولًا واكتشافات معروفة بهدف رفع الإنتاج أو المحافظة عليه، بينما يمثل الحفر الاستكشافي المرحلة الأكثر مخاطرة، لكنه في الوقت نفسه المرحلة التي تسمح بتجديد قاعدة الموارد واكتشاف حقول جديدة.

وبالتالي، فإن ضعف الاستكشاف لا يظهر بالضرورة فورًا في أرقام الإنتاج، لكنه قد يصبح أكثر وضوحًا بعد سنوات عندما تتراجع إنتاجية الحقول القائمة ولا تكون هناك اكتشافات جديدة جاهزة للتطوير.

الإنتاج يتراجع والاستقلالية الطاقية تتآكل

في المقابل، تظهر المؤشرات الرسمية للطاقة حتى موفى جوان 2026 أن إنتاج النفط الخام واصل التراجع.

فقد بلغ متوسط الإنتاج نحو 25.4 ألف برميل يوميًا، مقابل 27 ألف برميل يوميًا في جوان 2025 و29.6 ألف برميل يوميًا في الفترة نفسها من 2024.

أما إنتاج الغاز الطبيعي الجاف فبلغ حوالي 565.7 ألف طن مكافئ نفط، مقابل 573.7 ألف طن مكافئ نفط في جوان 2025 و607.4 ألف طن مكافئ نفط في جوان 2024.

وفي الوقت نفسه، ارتفع الطلب على المواد البترولية إلى حوالي 2.42 مليون طن مكافئ نفط، بزيادة 7%، بينما بلغ الطلب على الغاز الطبيعي حوالي 2.25 مليون طن مكافئ نفط.

وهذه المعادلة تكشف جوهر المشكلة: الإنتاج المحلي يتراجع، بينما تبقى تونس بحاجة إلى الطاقة لتشغيل اقتصادها ومحطات إنتاج الكهرباء.

blank

الكهرباء تكشف حجم المفارقة

قطاع الكهرباء يجعل هذه المفارقة أكثر وضوحًا.

فإلى موفى جوان 2026، بلغ الطلب على الكهرباء حوالي 9550 جيغاواط ساعة، مقابل إنتاج في حدود 7774 جيغاواط ساعة، مع توريد حوالي 1016 جيغاواط ساعة.

وفي بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي لتشغيل محطات الكهرباء، فإن تراجع الإنتاج المحلي من المحروقات يعني عمليًا زيادة الضغط على الواردات وعلى المالية العمومية.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:

إذا كانت تونس تحتاج إلى مزيد من الغاز، فأين ستكون موارد الغاز الجديدة خلال السنوات المقبلة؟

تونس لا تبدأ من الصفر

في المقابل، لا يمكن القول إن تونس تفتقر إلى قاعدة بيانات أو معرفة جيولوجية بمواردها.

فالوزارة تشير إلى أن أكثر من 1200 بئر تم حفرها في تونس إلى نهاية 2020، وأدت إلى أكثر من 120 اكتشافًا، كما تتوفر البلاد على قاعدة واسعة من البيانات الزلزالية ثنائية وثلاثية الأبعاد.

كما تتيح الدولة هذه البيانات للمستثمرين الراغبين في تقييم المناطق المفتوحة للاستكشاف.

لكن امتلاك البيانات الجيولوجية لا يعوض الحفر.

فالاستثمار الاستكشافي يعني ضخ أموال كبيرة في عمليات عالية المخاطر، مع احتمال أن تنتهي عملية الحفر دون اكتشاف تجاري.

وهنا تصبح أرقام 2026 مهمة جدًا: لا بئر استكشافية، ولا اكتشاف جديد.

هل يعني ذلك أن المستثمرين غادروا تونس؟

ليس من الدقيق القول إن «المستثمرين هربوا من تونس» استنادًا إلى هذه الأرقام وحدها.

فالسوق التونسية لا تزال تضم شركات أجنبية ناشطة في قطاع المحروقات، كما أن بعض الرخص والامتيازات لا تزال مرتبطة بشركاء دوليين.

لكن هناك فرقًا بين استمرار شركة في استغلال أصل موجود، وبين استعدادها لضخ استثمارات جديدة في الاستكشاف.

فالمستثمر قد يواصل إنتاج حقل قائم، لكنه قد يتردد في الدخول في برنامج استكشافي جديد يحتاج إلى سنوات من الحفر والدراسات والاستثمارات قبل معرفة ما إذا كان سيولد اكتشافًا تجاريًا.

ولهذا فإن المؤشر الحقيقي لجاذبية القطاع لا يكمن فقط في عدد الشركات الموجودة، وإنما في حجم الاستثمارات الجديدة التي تدخل فعلًا في الحفر والاستكشاف والتطوير.

معمورة وبركة… خروج «إيني» أم إعادة ترتيب للأصول؟

في هذا السياق، تبرز عملية انتقال حصة 49% من امتيازي معمورة وبركة.

وتظهر البيانات الرسمية أن شركة «تندي إنرجي» أصبحت تملك 49% من امتياز بركة، مقابل احتفاظ المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية بـ51%.

كما ارتبط انتقال مصالح «إيني» في الامتيازين بعملية تبادل أصول.

ولهذا فإن وصف العملية بأنها «انسحاب إيني من تونس» يحتاج إلى تصحيح.

فالعملية لا تعني خروج الشركة الإيطالية من السوق التونسية بالكامل، وإنما إعادة ترتيب لمحفظة الأصول والمصالح بين شركات الطاقة.

وهذا فرق جوهري.

فبيع حصة في أصل معين لا يعني بالضرورة مغادرة السوق، كما أن دخول مستثمر جديد لا يعني بالضرورة أن السوق أصبحت فجأة أكثر جاذبية.

إنها في المقام الأول عملية إعادة توزيع للأصول والمخاطر والأولويات الاستثمارية.

النزاعات الدولية… عامل آخر في حسابات المستثمر

هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله عند تقييم مناخ الاستثمار في قطاع الطاقة، وهو النزاعات والتحكيم الدولي.

ففي 7 أفريل 2026، سجل المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار قضية رفعتها شركتا شل تونس أبستريم وشل تونس للغاز المسال ضد الجمهورية التونسية، في ملف مرتبط بقطاع النفط والغاز.

لكن من المهم التأكيد أن القضية ما تزال قيد النظر، وأن وجودها لا يعني صدور حكم ضد الدولة التونسية.

كما توجد قضية شركة زينيث إنرجي ضد تونس، حيث تبلغ المطالبات التي أعلنتها الشركة حوالي 572.65 مليون دولار.

وهذا الرقم يمثل قيمة المطالبة التي تتقدم بها الشركة، وليس مبلغًا صدر به حكم نهائي لصالحها.

وجود هذه الملفات لا يعني تلقائيًا أن الدولة مخطئة أو أن الشركات محقة، فذلك من اختصاص هيئات التحكيم.

لكنه يعني أن المخاطر القانونية والتعاقدية أصبحت عنصرًا إضافيًا في حسابات المستثمرين.

زارات… الثروة الموجودة على الورق والاختبار الحقيقي للاستثمار

إذا كان هناك مشروع يستطيع اختزال جزء كبير من المعضلة التونسية، فهو مشروع زارات.

فالمشروع يقع في منطقة بحرية قبالة الجنوب الشرقي لتونس، ويعد من المشاريع التي ظل تطويرها مطروحًا منذ سنوات.

لكن ينبغي الحذر عند الحديث عن أرقام الموارد المرتبطة بالمشروع، وعدم تقديم الموارد المحتملة باعتبارها احتياطات مؤكدة.

فوجود تقديرات للموارد لا يعني تلقائيًا أنها ستتحول بالكامل إلى احتياطات قابلة للاستخراج الاقتصادي، كما لا يعني أن المشروع أصبح جاهزًا للإنتاج.

المستثمر ينظر إلى تكلفة الحفر والمنشآت البحرية والمعالجة والنقل والبنية التحتية، إضافة إلى جودة النفط والغاز، ونسب الغازات المصاحبة، والنظام الجبائي، وتقاسم الإنتاج، ومدة المشروع، والمخاطر القانونية والسياسية.

كل هذه العناصر تدخل في القرار النهائي.

لماذا قد تكون الثروة موجودة ولا يأتي الاستثمار؟

هذه ربما هي النقطة الأهم في القصة كلها.

وجود النفط والغاز تحت الأرض لا يعني أن استخراجه مربح.

المستثمر الدولي لا يسأل فقط:

كم يوجد من النفط والغاز؟

بل يسأل أيضًا:

كم ستكلف عملية الاستخراج؟

متى سيبدأ الإنتاج؟

ما تكلفة معالجة الغاز؟

ما البنية التحتية المتوفرة؟

ما الضرائب والإتاوات؟

ما شروط تقاسم الإنتاج؟

ما مدة الرخصة؟

ما المخاطر القانونية؟

وما العائد المتوقع مقارنة بمشروع آخر في الجزائر أو ليبيا أو مصر أو بقية الأسواق الإقليمية؟

ومن هنا، فإن تقييم جاذبية تونس لا يمكن أن يبنى على عدد الشركات الموجودة فقط، وإنما على حجم الأموال الجديدة التي تضخها هذه الشركات في الاستكشاف والحفر والتطوير.

المفارقة التونسية

تونس تحتاج إلى الغاز لتأمين إنتاج الكهرباء.

وفي الوقت نفسه، تتراجع استقلاليتها الطاقية، وينخفض إنتاج النفط، ويتراجع إنتاج الغاز، فيما تقلصت خريطة الرخص إلى 12 رخصة.

والأكثر إثارة للقلق أن النصف الأول من 2026 مر دون بئر استكشافية واحدة ودون اكتشاف جديد.

يمكن أن يأتي الإنتاج الجديد من تطوير الحقول القائمة، أو تحسين مردودية الحقول المنتجة، أو تحويل اكتشافات سابقة إلى مشاريع إنتاج، أو إطلاق عمليات استكشاف جديدة.

لكن لكل خيار حدوده.

والأخطر أن استمرار غياب الحفر الاستكشافي يعني أن قاعدة الموارد المستقبلية لا يجري تجديدها بالسرعة المطلوبة.

من 52 رخصة و17 بئرًا إلى 12 رخصة وصفر بئر… ماذا حدث خلال 16 عامًا؟

ربما تكون المقارنة التاريخية هي الأكثر دلالة.

ففي سنة 2010 كانت تونس تملك 52 رخصة محروقات، منها 44 رخصة بحث و8 رخص استطلاع، موزعة بين 36 رخصة برية و16 رخصة بحرية، وتغطي مساحة إجمالية تناهز 166,981 كيلومترًا مربعًا.

وفي العام نفسه، تم حفر 17 بئرًا استكشافية، مقابل 8 آبار في 2009، وأسفرت عمليات الحفر عن 12 اكتشافًا، كما تم تنفيذ حوالي 2785 كيلومترًا مربعًا من المسوح الزلزالية ثلاثية الأبعاد و944 كيلومترًا من المسوح الزلزالية ثنائية الأبعاد.

أما في 2026، فالصورة مختلفة جذريًا:

12 رخصة فقط… صفر بئر استكشافية… صفر اكتشافات جديدة.

أي أن عدد الرخص أصبح أقل بنحو 77% مقارنة بسنة 2010، فيما انتقل عدد الآبار الاستكشافية من 17 بئرًا في سنة واحدة إلى صفر.

وهذه ليست مجرد مقارنة بين رقمين.

ففي 2010 كانت تونس تحفر وتبحث وتغامر وتكتشف.

وفي 2026، أصبحت تونس تبحث عن الغاز لتأمين الكهرباء في الوقت الذي أصبح فيه الاستكشاف نفسه في أدنى مستوياته.

وهنا تكمن المفارقة الأكبر:

قبل 16 عامًا، كانت تونس تحفر بحثًا عن ثروتها الطاقية. أما اليوم، فهي تحتاج إلى تلك الثروة أكثر من أي وقت مضى، لكنها تحفر أقل للعثور عليها.

والسؤال الذي سيحدد مستقبل قطاع الطاقة التونسي لم يعد فقط: كم تنتج تونس اليوم؟

بل أصبح:

كم بئرًا ستُحفر غدًا؟ وكم اكتشافًا جديدًا ستنجح البلاد في تحويله إلى إنتاج قبل أن يصبح الاعتماد على الخارج أكبر من قدرة الاقتصاد على تحمله؟

واللافت أن حتى الدول النفطية التي تبنّت في مراحل تاريخية سياسات تأميم واسعة، مثل الجزائر وليبيا والعراق وفنزويلا، انتهت عمليًا إلى الإبقاء على دور الدولة مع فتح القطاع، بدرجات مختلفة، أمام الشراكات والاستثمارات والخبرات الأجنبية، بعدما أثبتت كلفة الاستثمار والتكنولوجيا والحاجة إلى تطوير الحقول أن الدولة وحدها لا تستطيع دائمًا تحمل أعباء القطاع.

لذلك فإن السؤال في تونس لا ينبغي أن يكون فقط: من يملك النفط والغاز؟ بل أيضًا: من يملك المال والتكنولوجيا والخبرة والحفر اللازم لتحويل ما هو تحت الأرض إلى إنتاج فعلي؟ فالتجارب النفطية الحديثة لا تختزل في شعار «التأميم»، وإنما في قدرة الدولة على تعظيم نصيبها من الثروة، وجذب الاستثمار، وضمان الشفافية، وتحويل الموارد إلى إنتاج وعائدات.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى