من اللعب في الشارع إلى المشي كيلومترات نحو المدرسة… تفاصيل صغيرة من طفولة الأمس تحولت إلى دروس في الصبر والاستقلالية
يقول عالم النفس الأمريكي بيتر غراي أذ سألت أحد مواليد الخمسينات أو الستينات في تونس عن طفولته، فغالبًا سيبتسم قبل أن يبدأ في سرد قائمة طويلة من « المغامرات »: اللعب في الحي حتى غروب الشمس، العودة إلى المنزل بعد نداء الأم من الشرفة، الذهاب إلى المدرسة مشيًا، أو قضاء ساعات طويلة دون هاتف أو شاشة أو حتى لعبة إلكترونية واحدة.
اليوم، قد تبدو بعض تلك التفاصيل غريبة بالنسبة إلى جيل نشأ وسط الحماية الدائمة والهواتف الذكية، لكن علماء النفس يرون أن هذه التجارب اليومية البسيطة ساهمت في بناء شخصية أكثر صلابة وقدرة على مواجهة الصعوبات.
فجيل من تجاوزوا الستين عامًا عاش طفولة مختلفة تمامًا: لا تطبيقات للترفيه، لا رسائل فورية لحل الخلافات، ولا آباء يراقبون كل خطوة. كانت الحياة اليومية نفسها بمثابة « مدرسة مفتوحة » لتعلم الاعتماد على النفس.
1- اللعب في الشارع… مدرسة بلا معلّمين
كان الطفل يغادر المنزل صباحًا ولا يعود إلا عند موعد الغداء أو العشاء. في الحي، كان يتعلم كيف يتعامل مع الأطفال الآخرين، كيف يحل خلافاته، وكيف يواجه المخاطر الصغيرة بنفسه.
سقوط من دراجة، خلاف حول لعبة، أو مواجهة طفل أكبر سنًا… كلها كانت تجارب تعلم الطفل كيف يتصرف بدل انتظار تدخل الكبار.
2- الطريق إلى المدرسة… تدريب مجاني على الصبر
بالنسبة إلى كثير من أبناء ذلك الجيل، لم تكن المدرسة على بعد خطوات من المنزل. المشي لمسافات طويلة أو ركوب الدراجة يوميًا كان أمرًا عاديًا.
لم يكن المطر أو التعب سببًا كافيًا للبقاء في المنزل. كان الطفل يتعلم أن الوصول إلى الهدف يحتاج إلى جهد واستمرار، وهي مهارة ترافق الإنسان عندما يكبر.
3- الملل… الصديق الذي اختفى
أكبر « مشكلة » في طفولة الأمس كانت أحيانًا الملل.
لكن بدل فتح الهاتف أو تشغيل التلفاز، كان الطفل يخترع لعبته بنفسه: يصنع سيارة من قطع بسيطة، يبني كوخًا صغيرًا، أو يخترع منافسات مع أصدقائه.
هذا الفراغ الطويل كان مساحة لتنمية الخيال والقدرة على قضاء الوقت مع النفس، وهي مهارة أصبحت نادرة في زمن الشاشات.
4- الأعمال المنزلية… الطفل كان شريكًا في البيت
في عديد العائلات التونسية، لم يكن الطفل مجرد شخص ينتظر الخدمات، بل كان جزءًا من الحياة اليومية.
مساعدة الأم، الذهاب إلى السوق، الاعتناء بالإخوة الصغار، أو القيام ببعض الأعمال في المنزل كانت أمورًا طبيعية.
هذه المسؤوليات الصغيرة كانت تمنح الطفل شعورًا بأنه قادر على الإنجاز وأن لأفعاله قيمة حقيقية.
5- الخلافات كانت تُحل وجها لوجه
قبل انتشار الهواتف ومواقع التواصل، كان الخلاف بين الأطفال ينتهي غالبًا بالمواجهة المباشرة.
لا رسائل غاضبة، ولا إمكانية للاختباء خلف شاشة. كان الطفل مضطرًا إلى الحديث، الاعتذار أحيانًا، أو إيجاد طريقة للعيش مع الآخر رغم الاختلاف.
6- العمل في سن مبكرة… درس في المسؤولية
عدد كبير من أبناء ذلك الجيل خاضوا تجارب عمل بسيطة في فترة المراهقة: مساعدة الأسرة، العمل خلال العطلة، أو تعلم حرفة.
لم تكن المسألة فقط مرتبطة بالمال، بل بتعلم قيمة الوقت والانضباط وتحمل المسؤولية.
7- كلمة « لا » من الوالدين… تدريب على تقبل الرفض
كان الرفض في الماضي أكثر وضوحًا: « لا يمكنك »، « ليس الآن »، « هذا غير ممكن ».
لم تكن كل رغبة تتحول إلى طلب يجب تحقيقه فورًا. ويرى علماء النفس أن تعلم تقبل الإحباط جزء مهم من بناء التوازن العاطفي.
هل كان الماضي أفضل دائمًا؟
ليس بالضرورة. فطفولة الأمس كانت لها صعوباتها أيضًا، وبعض الأطفال عاشوا ظروفًا قاسية أو نقصًا في الرعاية.
لكن الفرق أن كثيرًا من الأطفال كانوا يحصلون على مساحة أكبر للتجربة والخطأ، وهو ما ساعد بعضهم على تطوير الاستقلالية والقدرة على مواجهة الحياة.
وربما لهذا السبب يضحك كثير من كبار السن اليوم عندما يسمعون شكاوى الشباب من بعض المشاكل اليومية، فيقولون بجملة تونسية مألوفة:
« إحنا كنا نلعبو في التراب ونرجعو للدار مغبرين… وما صارلنا شيء! »
بين حنين الماضي وواقع الحاضر، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يحتاج أطفال اليوم إلى مزيد من الحماية… أم إلى جرعة صغيرة من مغامرات طفولة الأمس؟



