خلف الضجيج السياسي لقرارات الطرد الصارمة التي تتخذها وزارة الداخلية الإيطالية، تفجرت مأساة إنسانية شديدة التعقيد بطلها الشاب بتار الزهاني (21 عاماً).
الشاب الذي وُلد ونشأ في مقاطعة « كومو » الإيطالية، يجد نفسه اليوم مغترباً بالكامل ومفرداً في العاصمة تونس، بعد قرار ترحيل خاطف نُفِّذ بحقه عقب حادثة اعتداء وُصفت بأنها « مزاح طائش » تحول إلى كابوس نفي قسري.
وكانت السلطات الإيطالية قد تحركت بسرعة قياسية غير معتادة تلبيةً لتوجهات وزير الداخلية، ماتيو بيانتيدوزي.
وجرى توقيف بتار بشكل مفاجئ أثناء توجهه الاعتيادي للتوقيع في مركز الشرطة، ليتم تجريده من أوراقه وهاتفه، وشحنه مباشرة في أول طائرة متجهة إلى تونس، دون منحه فرصة حقيقية لوداع عائلته التي تقطن في بلدة « كودوجنو »، في حين لا يزال شقيقه الأصغر إلياس (20 عاماً) – المولود هو الآخر في إيطاليا – ينتظر مصيراً مجهولاً في ميلانو بعد إطلاق سراحه المؤقت .
« أنا أموت من أجل إيطاليا ».. صدمة المطار واللغة المفقودة
وفي أول خروج إعلامي له بملامح مكسورة لصحيفة « كوريري ديلا سيرا » الإيطالية من تونس، كشف بتار عن تفاصيل مرعبة عما حدث معه قائلاً: « أنا مستعد لتقديم حياتي من أجل إيطاليا؛ فهذا هو البلد الذي ولدت ونشأت فيه.
أنا لا أكره إسرائيل ولا الجالية اليهودية، ما حدث كان مجرد مزاح. لكنني الآن خائف، لم أفعل شيئاً وتم طردي من بلدي ».
وعن لحظة وصوله إلى مطار تونس، تابع بتار: « عند وصولي إلى تونس، تركني العملاء الإيطاليون بين أيدي الشرطة المحلية. أنا لا أتحدث اللهجة التونسية جيداً، وكنت أكرر لهم باستمرار أنني لا أفهم شيئاً، حتى باللغة الإنجليزية. عندها سمحوا لي بالمغادرة ».
وأضاف بحرقة: « كان عليّ أن أتصل بوالدتي لأشرح لها ما يحدث، فلم يقم أحد في إيطاليا بإبلاغها. عندما أخبرتها بكل شيء، انفجرت في البكاء ولم تصدق ما تسمعه ».
مشرد في بلد الهوية الرسمية
تحول بتار في غضون ساعات من طالب هندسة ميكانيكية بجامعة بارما، ومتطوع في سلك الدفاع المدني الإيطالي، إلى شخص بلا مأوى في وطن آبائه.
ويستطرد في تصريحاته: « لحسن الحظ، كانت بطاقتي البنكية معي وبها حوالي 1000 يورو في حسابي. بمجرد وصولي إلى هنا، لم أكن أعرف أين أذهب.
أقاربي الوحيدون في تونس هما جدي وجدتي، لكنهما يعيشان في منطقة بعيدة جداً. نجحت في استئجار منزل، لكن حياتي كلها هناك في إيطاليا ».
حقيقة واقعة الحاخام: « أنا فقط ضحكت »
ودافع بتار عن نفسه وعن عائلته نافياً وجود أي دافع ديني أو عداء للسامية وراء الحادثة التي وقعت بضواحي ميلانو في سبتمبر الماضي ضد الحاخام « تسيماخ مزراحي »، موضحاً حقيقة ما وثقته الكاميرات: « صديقنا أخذ قبعة الحاخام (الكيباه) على سبيل المزاح، ارتداها ثم أعادها إليه.
شقيقي وجه ركلة إلى ساقي الحاخام، ولكن دون أي نية لإيذائه. أما أنا فلم ألمسه أبداً؛ كان هاتفي في يدي وكنت أقوم بالتصوير.. أنا فقط ضحكت ».
واختتم الشاب التونسي-الإيطالي حديثه وعيناه تتطلعان إلى تذكرة عودة مستحيلة: « أنا ولدت في إيطاليا، ودرست هناك، وعائلتي تعيش في كودوجنو. أنا لا أكره إيطاليا ولن أكرهها أبداً. يؤسفني فقط أن الكاميرات الأمنية لم تسجل المشهد كاملاً لتثبت أن هاتفي كان في يدي وأنني لم أضرب أحداً ».
تفتح قصة بتار وإلياس زحاني باباً واسعاً للنقاش الحقوقي في أوروبا حول البُعد الإنساني في قوانين الهجرة الصارمة؛ حيث يرى قانونيون ومدافعون عن حقوق الإنسان أن الترحيل الفوري لأفراد وُلدوا على التراب الإيطالي ولم يعرفوا وطناً سواه، هو عقوبة تفوق الجرم، وتحول العقوبة القانونية إلى نفي إنساني قسري يمزق العائلات ويقذف بأبنائها إلى بيئات غريبة عنهم تماماً.
في غضون ساعات، تحول بتار من طالب جامعي يدرس الهندسة الميكانيكية بجامعة بارما، ومتطوع في سلك الدفاع المدني الإيطالي، إلى « مبعد سياسي » في بلد غريب عنه.
