أثار تصنيف حديث لأبرز شركات التكنولوجيا المالية في العالم العربي سؤالاً لافتاً في تونس: لماذا لا توجد أي شركة تونسية ضمن قائمة أكبر 20 شركة عربية من حيث القيمة التقديرية؟
وبحسب التصنيف الذي نشرته شركة «أغريبا» المتخصصة في متابعة قطاع التكنولوجيا المالية، بلغت القيمة الإجمالية للشركات العشرين الأولى نحو 17.6 مليار دولار، فيما تصدرت القائمة شركات من السعودية والإمارات ومصر والكويت، وسط حضور لافت للشركات العاملة في الخدمات المالية الرقمية والدفع الإلكتروني والتمويل والتقنيات المصرفية الحديثة.
وفي هذا السياق، يطرح الخبير الاقتصادي معز الجودي سؤالاً مباشراً: لماذا تغيب تونس تماماً عن هذه القائمة؟
ويقول الجودي إن التكنولوجيا المالية هي الشركات التي تعتمد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتطوير وتسويق الخدمات المالية والمصرفية، بما يجعل هذه الخدمات، بفضل التكنولوجيا الحديثة، أقل كلفة وأكثر نجاعة وسرعة في الوصول إلى الحرفاء.
غياب تونس ليس بسبب نقص الكفاءات
ويرى الجودي أن السؤال لا ينبغي أن يكون: هل تملك تونس الكفاءات والإمكانات؟
ويجيب بنفسه: نعم، تونس تملك الكفاءات والإمكانات.
لكن المشكلة، وفق تقديره، تكمن أساساً في غياب التصور الواضح والرغبة السياسية وغياب مناخ الأعمال الملائم لظهور شركات قادرة على النمو والمنافسة على المستوى العربي والدولي.
ويعتبر أن التجارب السعودية والإماراتية والمصرية تكشف الفرق بوضوح، إذ إن صانع القرار السياسي والاقتصادي والمالي في هذه الدول، بحسب الجودي، انخرط مبكراً في التحولات الجديدة، واستشرف المستقبل، ووضع التكنولوجيا المالية ضمن الأولويات، ووفّر الأطر والإمكانات الضرورية لنمو الشركات الناشئة.
من النقاش إلى بناء المستقبل
ويذهب الجودي إلى أن الفارق لا يتعلق بامتلاك المهارات فقط، وإنما بطريقة إدارة الاقتصاد وتحديد الأولويات.
ففي الوقت الذي نجحت فيه دول عربية في تحويل التكنولوجيا المالية إلى قطاع اقتصادي قائم بذاته، واستقطاب الاستثمارات وبناء شركات ذات قيمة بمئات الملايين ومليارات الدولارات، لا تزال تونس، وفق هذا التقييم، تعاني من بطء الإطار التشريعي والإداري وصعوبة تطوير الشركات الناشئة والوصول إلى التمويل والأسواق.
ويختصر الجودي موقفه بالقول إن دولاً مثل الإمارات والسعودية ومصر خرجت من النقاشات الإيديولوجية العقيمة واتجهت إلى بناء المستقبل، معتبراً أن النتائج أصبحت واضحة من خلال ظهور شركات عربية عملاقة في مجال التكنولوجيا المالية.
تونس أمام سؤال اقتصادي لا يمكن تجاهله
ويفتح هذا التصنيف نقاشاً أوسع حول مستقبل الاقتصاد الرقمي في تونس: هل تستطيع البلاد تحويل كفاءاتها في البرمجيات والهندسة والعلوم المالية إلى شركات تكنولوجية مالية ذات قيمة عالية؟
فغياب أي شركة تونسية عن قائمة العشرين الأولى لا يعني بالضرورة غياب الشركات التونسية العاملة في المجال، لكنه يكشف، بحسب قراءة الجودي، عن فجوة بين توفر الكفاءات وبين القدرة على تحويل هذه الكفاءات إلى شركات كبيرة قادرة على جمع التمويلات والتوسع إقليمياً ودولياً.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: لماذا لا توجد تونس في القائمة؟
بل أيضاً: متى تضع تونس التكنولوجيا المالية ضمن أولوياتها الاقتصادية، وتوفر للشركات الناشئة البيئة التي تسمح لها بالنمو والتحول إلى مؤسسات قادرة على المنافسة عربياً ودولياً؟
فالمشكلة، كما يلخصها معز الجودي، ليست في غياب الكفاءات، وإنما في غياب الرؤية والإرادة والبيئة الاقتصادية المناسبة لتحويل تلك الكفاءات إلى قيمة اقتصادية حقيقية.



