الرئيسيةآخر الأخبارحصري -التقرير المخفي : كيف هندس كبار قادة أوروبا مجازر المتوسط خلف...

حصري -التقرير المخفي : كيف هندس كبار قادة أوروبا مجازر المتوسط خلف الستار؟

6 سنوات من التحقيقات السرية تضع 122 مسؤولاً أوروبياً في مواجهة تهم جنائية وسط تساؤلات حول تكريس الإفلات من العقاب.

كشف تقرير بحثي حديث أصدره مركز «ليمينال» للدراسات التابع لجامعة بولونيا عن الدور الحاسم الذي تلعبه وكالة «فرونتكس» عبر أسطول طائراتها ومسيراتها في تتبع قوارب المهاجرين بالبحر المتوسط وتسليم إحداثياتها للميليشيات لضمان إعادتهم قسراً. غير أن هذا التقرير لا يمثل سوى جزء من حراك حقوقي وقانوني أوسع يقوده محامون دوليون يسعون إلى تحميل رأس الهرم السياسي في بروكسل المسؤولية الجنائية عبر تقديم بلاغات ودعاوى قضائية أمام المحاكم الأوروبية والدولية.

في الوقت الذي تصدح فيه العواصم الأوروبية بالشعارات الإنسانية والالتزام بالاتفاقيات الدولية، تكشف كواليس السياسة الأمنية للقارة العجوز عن وجه آخر شديد القتامة. فبينما تحولت مياه البحر الأبيض المتوسط إلى مقبرة مفتوحة لعشرات الآلاف من طالبي اللجوء، لم تعد المسؤولية مجرد اتهامات سياسية عابرة، بل تحولت إلى ملفات جنائية موثقة تلاحق أرفع القيادات في بروكسل.

تفكيك جهاز السلطة: 6 سنوات من التحقيق السري

فجّر فريق منظمة « فرونت-ليكس » بقيادة المحاميين الدوليين عمر شاتز وخوان برانكو، قنبلة قانونية من العيار الثقيل بتقديم تقرير استقصائي يقع في 700 صفحة. التقرير لم يكن وليد الصدراة، بل هو نتاج ست سنوات كاملة من التحنيقات المعمقة والمقابلات السرية مع أكثر من 70 مسؤولاً أوروبياً رفيع المستوى، إلى جانب مراجعة محاضر وثائق المجلس الأوروبي السريّة للغاية.

النتيجة كانت صادمة؛ لقد تمكن المحامون من النفاذ إلى العمق البيروقراطي والأمني للاتحاد الأوروبي وتفكيكه بالكامل لمعرفة المكاتب والوزارات والأشخاص المسؤولين خلف الستار. وأعلن الفريق بوضوح عن تحديد 122 شخصية أوروبية يتحملون مسؤولية جنائية مباشرة، باعتبارهم « مشاركين في التنفيذ » إلى جانب الميليشيات وحرس السواحل الليبي في التسبب بوفاة 25,000 طالب لجوء، والانتهاكات الوحشية التي طالت نحو 150,000 ناجٍ جرى اختطافهم ونقلهم قسراً إلى الجحيم الليبي ليواجهوا التعذيب والاغتصاب والاستعباد.

قائمة المشتبه بهم: رؤساء دول وبيروقراطيون في قفص الاتهام

لم يستثنِ التقرير أحداً، بل أطلق المحامون قاعدة بيانات علنية على الإنترنت تحدد أدوار المتورطين بدقة، وتضم الأسماء قائمة من الوزن الثقيل، أبرزها:
• مارك روته: الأمين العام الحالي لحلف الناتو ورئيس وزراء هولندا السابق.
• دونالد توسك: رئيس الوزراء البولوني الحالي والرئيس السابق للمجلس الأوروبي.
• فيديريكا موغيريني: الممثلة العليا السابقة للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي.
• فابريس ليجيري: المدير التنفيذي السابق لوكالة « فرونتكس ».

هذه الأسماء، وفقاً للتقرير، لم تكن تجهل ما يحدث، بل كانت تدير وتمول هندسة « الإعادة القسرية بالوكالة » ، عبر تحويل الأموال وتوفير الإحداثيات الجوية للميليشيات الليبية لاعتراض القوارب في المياه الدولية قبل وصولها إلى السواحل الأوروبية.

blank

حكم تاريخي ينهي حصانة « فرونتكس »

بالتوازي مع هذه التحقيقات، تلقت الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس) صفعة قضائية غير مسبوقة. ففي حكم تاريخي أصدرته محكمة العدل للاتحاد الأوروبي (في القضية سي-679/23 بي)، تقرر رسمياً أنه يمكن ملاحقة وكالة « فرونتكس » قضائياً وطلب التعويض منها عن أي انتهاكات للحقوق الأساسية.

المحكمة قطعت الطريق أمام تملص الوكالة، مؤكدة أنها تتحمل المسؤولية القانونية في العمليات المشتركة التي تعاونت فيها مع سلطات دول ثالثة (مثل ليبيا وتونس). كما ربط الحكم هذه المسؤولية بالدول الأعضاء التي تستضيف بعثات الوكالة وتنسق معها، مما يمنع الحكومات من التذرع بأن فرونتكس تعمل ككيان منفصل ومستقل لا يخضع لرقابتها.

البحر ليس مساحة خارجة عن القانون

هذا التحول القضائي يأتي ليعزز مبدأ راسخاً أقرته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان سابقاً (مثل قضية ميدفيديف ضد فرنسا)، ومفاده أن « الخصوصية البحرية لا يمكن أن تخلق مساحة خارجة عن القانون ». فالقوانين الدولية والاتفاقيات التي التزمت بها الدول الأوروبية تلاحقها أينما امتدت يدها أو أجهزتها.

الواقع المرير الذي كشفه أيضاً تحقيق منصة « إيربي ميديا » يوضح التداخل والتقاطع الخبيث في توسيع واعتراف الدول الأوروبية بمناطق « SAR » (البحث والإنقاذ) شاسعة لليبيا ومالطا لأسباب سياسية واقتصادية بحتة. الهدف من هذه المساحات لم يكن الإنقاذ يوماً، بل كان خلق « ثغرة جغرافية » تُنزع فيها الولاية القضائية عن المهاجرين، ليُتركوا على متن قوارب متهالكة في حالة خطر شديد ، قبل أن يتم تسليمهم لميليشيات خارجة عن السيطرة.

مع تفعيل غرف العمليات المشتركة على أرض الواقع، ووصول التحقيقات الدولية إلى المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الأوروبية، يبرز التساؤل الأكبر: هل تنجح العواصم الأوروبية في تكريس الإفلات من العقاب والالتفاف على القانون الدولي؟ أم أن مواجهة 122 مسؤولاً أوروبياً لهذه الاتهامات الجنائية المباشرة ستؤدي في النهاية إلى انهيار الجدار القانوني والأخلاقي الذي تحصن خلفه القادة الأوروبيون لسنوات؟ إن هذه المعركة القضائية تعني شيئاً واحداً: لم يعد بإمكان بروكسل إدارة ظهرها للمتوسط دون أن تلاحقها لعنة وثائقها السرية، حتى وإن حاول كبار البيروقراطيين الاحتماء خلف مكاتبهم الفارهة بعيداً عن أروقة المحاكم الجنائية.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى