أكثر من 150 ألف تونسي غادروا البلاد خلال خمس سنوات.. والهجرة والاحتجاجات الرقمية تعكسان تحولات علاقة الشباب بالمجتمع والسياسة
سلّط عبد اللطيف الحناشي، الأستاذ الفخري للتاريخ المعاصر بجامعة منوبة، الضوء على صعوبات الاندماج الاقتصادي والاجتماعي التي يواجهها الشباب التونسي، في ظل محدودية قدرة سوق الشغل على استيعابهم واستمرار ارتفاع البطالة، بما في ذلك لدى حاملي الشهادات العليا.
وقال الحناشي، خلال ندوة دولية نظمها المجلس العالمي للعمل الاجتماعي، الجمعة بمدينة مراكش المغربية، إن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و34 سنة يمثلون 27 بالمائة من مجموع سكان تونس، في حين بلغت البطالة في صفوفهم 35.4 بالمائة خلال سنة 2024.
وأضاف أن بطالة حاملي الشهادات العليا بلغت 26.6 بالمائة خلال الثلث الأول من السنة نفسها، معتبرا أن الشهادة الجامعية، التي ظلت لسنوات إحدى أهم وسائل الترقي الاجتماعي، لم تعد تضمن بالضرورة الاستقلال الاقتصادي.
وأوضح الأكاديمي أن الإشكال لا يقتصر على صعوبة الأوضاع الاقتصادية، بل يشمل اتساع الفجوة بين تطلعات الشباب وما يستطيع المجتمع توفيره لهم، إذ أصبح الشباب أكثر تعليما وانفتاحا على العالم، لكنهم يواجهون سوق عمل محدودة وأجورا لا تضمن الاستقلالية ومسارات مهنية غير مستقرة.
وفي ما يتعلق بالهجرة، أشار الحناشي إلى أن أكثر من 150 ألف تونسي غادروا البلاد خلال السنوات الخمس الماضية للاستقرار في الخارج، معتبرا أن دلالة هذه الأرقام لا تكمن فقط في حجم المغادرين، بل أيضا في تنامي البحث عن فرص لبناء المستقبل خارج تونس. وشدد على أن الهجرة لا تعني بالضرورة رفض البلد الأصلي، بل قد تكون محاولة للعثور على فرص لا يجدها الفرد في وطنه.
ولفت المتحدث كذلك إلى أن جزءا من الشباب يختار البقاء ومحاولة ابتكار بدائل داخل محيطه، من خلال العمل الحر والمبادرات الفردية، التي قد تنشط أحيانا ضمن الاقتصاد غير المنظم.
أما سياسيا، فأوضح الحناشي أن الاحتجاجات الشبابية التي شهدتها تونس منذ ثورة 2011 لم تقتصر على الأحزاب والمنظمات التقليدية، بل اتخذت أشكالا محلية ورقمية متعددة، عبّر من خلالها الشباب عن مطالبهم بالاعتراف والمشاركة وإثبات الذات.
وحذّر من أن عدم تحقيق نتائج ملموسة عبر الاحتجاج قد يدفع بعض الشباب إلى الانسحاب من الأطر التقليدية، لكنه اعتبر أن ذلك لا يعني بالضرورة عزوفا سياسيا مطلقا، بقدر ما يعكس تحولا في أشكال المشاركة، مع تزايد التعبير عن المواقف عبر المنصات الرقمية بدلا من الاكتفاء بالانتخابات والانخراط الحزبي.
